الصفحة 3 من 14

رابعًا: كما تحيا الروح في رمضان، يحيا الفكر ويستيقظ من غفلته وضياعه، ويحسن التفكير في مساره وحقيقة وجوده (أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) (القيام: 36) . ولذلك يهتدي كثير من المنحرفين، ويعودون إلى الله عودًا حميدًا، إذ تتغير مفاهيمهم، وتصح عقولهم، وتتبدل لديهم المسارات.

فالمذاق الرمضاني فىه طعومة بليغة، تحي النفس، وتبصر الفكر على واقعه ومستقبله والمطلوب منه.

خامسًا: إدامة تلاوة القرآن بتدبر خارق، يغير مفاهيم الإنسان المغلوطة، ويمنحه العقائد الصحيحة، والمفاهيم الدقيقة، تجاه خالقه ونفسه، وحركته وحياته وسلوكه وصوابه وخطئه، ولكنَّ ذلك حظ المتدبرين، وخَلاق المتأملين.

قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) (النساء:32) ...

سادسًا: إن الجوع والعطش مذكران بعطش يوم القيامة، فترسم الصوم منارة الى الدار الآخرة، وضرورة التفكر والاعتبار فيها، وقد عير الله أقوامًا بنسيان الآخرة (كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العَاجِلَةَ(20) وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ (21) (القيامة)

ومدح أناسًا بطول تفكرهم في الآخرة (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) (46) (الصافات) .

(4) تغيير العمل

كان الإنسان قبل رمضان كسولًا متقاعسًا، ربما قارف أشياء وأشياء ... ! وبدخول رمضان تنقلب روحه، ويحيا ضميره، ويحس بضرورة الإصلاح والتصحيح، وأن ما مضى من الغفلات، والضياع كافٍ للتوبة، واللحاق بقطار الصالحين والتائبين.

قال تعالى:

(أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) (فاطر: 37)

المسئ يتوب، والمتقاعس ينشط، والمقصر يتراجع، والمذنب يتوب!

حتي برنامج الحياة الوظيفية، يتغير في رمضان، بسبب طبيعة الصيام والشعور بالإعياء والجوع.

والذاهب إلى أماكن اللهو والمتعة، يغير من عمله، ويجعل خطواته إلى المساجد والتراويح، ويرفعه الله بها درجة، ويحط عنه بها خطيئة ...

لا يعرف قيام الليل، فيقوم، ويذوق حلاوته في رمضان، قال صلى الله عليه وسلم كما عند أصحاب السنن بسند صحيح (من قام مع الإمام حتى ينصرف، كُتب له قيام ليلة) .

رمضان بمثابة الانقلاب المادي والروحي في حياة الانسان، واللبيب من يتفاعل مع ذلك بخير وأنوار وجاذبية ...

رمضان يغير من أعمالك، لشرف ما فيه، ولكنك تحتاج إلى مبادرة واستشعار حقيقي بالمسئولية، فلن تتغير ما لم تبادر، وتحمل المصحف، وتقوم وتهلل وتسبح ... ! الآخرون ينشطونك، ولكن لا يحملونك! إذ لك يدان ورجلان وقلب وضمير ..

وإنما رجلُ الدنيا وواحدُها ... مَنْ لا يعوّلُ في الدنيا على رجلِ

ولذا عليك اهتبال الفرصة، وتحريك الجوارح، وترك الكسل والتواكل، والنظر إالى الأمام، فالناس لن يقرئوك القرآن، ولن يهللوا باسمك، فتعين البدار، وتوجبت المسارعة ...

(5) تغيير النية

من كان مبتلى بشئ من الشوائب حول نيته وإخلاصه، فإن رمضان تِرياقها، وماحي أدوائها ومناكدها.

قال تعالى: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ وَالَّذِينَ) (الزمر:2 - 3) .

إن رمضان بما فيه من خصائص، يجعله الله سببًا لتجريد النية، وتصحيحها، وذلك من عدة أمور:

الأول: إن الصيام في حد ذاته تربية على الإخلاص، لأنه سر بين العبد وربه، ولا يظهر له علامات واضحة للجهر والإعلان، لأنه بإمكان المخادع أن يأكل ملء بطنه في داره، ثم يخرج الى الناس متظاهرًا بالصوم والتبتل.!! وعلى هذا المعنى فُسر حديث (كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أَجزي به) كما في الصحيحين. وكذلك أن حكمته الكبرى، بلوغ التقوى ونيلها، ولا تصاب إلا مع الصيام الزكي، كما قال سبحانه (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ) (183: البقرة) .

الثاني: إن كثرة الطاعات وغزارتها على القلب السليم في رمضان، تجعله يصحح مساره، ويعالج فساد داخله وضميره، فلا استلذاذ له برمضان، إلا على بساط الإخلاص والصدق مع الله تعالى (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ) (محمد:21) .

فالخيريه الكاملة، والحلاوة المتناهية إنما هى مع الإخلاص، الذى هو لب السعادة، وخلاصة الهناء والحياة الطيبة، قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) (النحل:97) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت