الثالث: اتسم رمضان بالصالحين البكائين، والصالحين الخاشعين، الذين يبكون من خشية الله، حينما يتلون القرآن أو يسمعونه من غيرهم، وذلك لصفاء قلوبهم: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال:2) .
فمن يسمع بكاء هؤلاء، يخاف على نفسه الرياء، ويتعلق بالخشية التى ستحي قلبه، وتجعله في جهاد متين مع نزغات الشيطان وأوهامه، فيبكي ويتباكى مع هؤلاء حتى يجدد نيته، ويصلح قسوة قلبه، لأن الرياء قاسمة الأعمال، والشهرة موبقتها، قال ابراهيم بن أدهم رحمه الله: (ما صدق الله عبد طلب الشهرة) ، قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا) (الفرقان:23) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والله إني إلى الآن، أجدد إسلامي كل وقت، وما أسلمت إسلاما جيدا) !
(6) تغيير الأخلاق
الأخلاق هي نبض الإنسان، وشكله وبضاعته المعروضة للناس، ويحكم عليه الآخرون من خلال ما تشع له من أخلاق، فبها يكبر، وبها يصغر وينحط ... !
قال صلى الله عيله وسلم:
(إن العبد ليدرك لحسن خلقه درجةَ الصائم القائم) رواه أبوداد بسند صحيح.
وقال الحسن البصري رحمه الله: (حسن الخلق: بسط الوجه، وبذل الندى، وكف الأذى) وهذه شمائل يحتاجها رمضان.
حينما تنشرح النفوس بالصيام، ونستشعر هيبة رمضان وفضله، نرى أنه من الضروري إصلاح نفوسها وتقويم سلوكها، وصون منطقها.
ولذلك نُهى الصائم عن المجادلة والمشاتمة فقال صلى الله عليه وسلم (فإن سابه أحد أو قاتله، قال إني امرؤ صائم) وهذه عبارة للكف والقطع، عن كل مجادلة أو نزاع أو ثرثرة.
وجاء في حديث البخاري، قوله صلى الله عليه وسلم (من لم يدع قولَ الزور والعمل به والجهل، فليس له حاجة في أن يدَعَ طعامَه وشراَبه) .
والأنام يدركون أن الصيام كابح للنفس، ضابط للخلق، لايستقيم معه اللهو واللغو وكثرة الكلام وسئ الأفعال!! ولذلك فإن هذه الحالة الروحية تستدعي المسلم تحسين خلقه وتهذيب سلوكه، فيكف عن الكذب، وآفات اللسان، ويصون منطقه، إلا عن ذكر الله، وقول الطيب المفيد كما قال صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا او ليصمت) .
والرجل القاسي العنيف، يهدأ في رمضان، وينكسر لله، ويشغل لسانه بذكر الله، وتلاوة القرآن ولذلك فإن موسم رمضان، فرصة لتغيير الأخلاق وبنائها من جديد لعدة أمور:
أولًا: أن المسلم مأمور بحسن الخلق دائمًا، وفى رمضان أشد وأعظم.
ثانيًا: طبيعة رمضان تفرض على صاحبها الهدوء والأناة، وقلة الغضب ولذلك من يثور في الشهر الكريم لم يعرف رمضان، ولم يستطعم هيبته وحلواه.
ثالثًا: أن ذلك يقع في الأيام الأولى، ثم سرعان ما يتراجع الصائم ويتذكر علو شأن رمضان، وضرورة الصبر والمحافظة على الأفعال والجوارح.
رابعًا: المدد الروحي المكتسب من خيرات رمضان، يربي النفس على الصبر، ولذلك هو شهر الصبر والاحتمال، قال تعالى (( إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) )10 الزمر) والصابرون الصائمون، عند الأكثر، والصبر فرع الأخلاق وقوامها. وصح قوله صلى الله عليه وسلم: (أثقل شئ في الميزان حسن الخلق) .
خامسا: أن الصبر والتسامح والجود خصال عظيمة، و ستجر إلى عواقب حسنة، قال يحي بن معاذ الرازي رحمه الله: (في سَعة الأخلاق كنوز الأرزاق) .
(7) تغيير المنطق
المنطق هو اللسان، وهو داخل في عموم الأخلاق الواجبِ تهذيبُها وإصلاحها مع رمضان، ولكنا خصصنا المنطق، لخطورة اللسان، وفداحة مساوئه إذا بالغ وانفرط.
ولذلك قال النبي صلى الله عيله وسلم لمعاذ رضي الله عنه في الحديث الشهير:
(ثَكِلتكَ أمك، يا معاذ، وهل يكبُّ الناسَ في النار على وجوههم، إلا حصائدُ ألسنتهم) ؟!
فحصائد الألسن كثيرة لا يمكن حصرها، ورب كلمة يسيره لا يلقي لها المرء بالًا تفسد لسانه، وتعمي قلبه، وتهوي به في النار سبعين خريفًا، أو أبعد ما بين المشرق والمغرب، كما صحت بذلك الأحاديث، ولذلك يجب أن يغير رمضان ألسنتنا، ويحدث فيها إشعاعة إيمانية، وإلا لم نستفد بصيامنا شيئًا!!
الكاذب يكف عن كذبه، ويتقي الله، والنمام يهجر نميمته، والمغتاب يراجع نفسه، وطويل اللسان يقصره قليلًا، ويحسب كلماته، ويتذكر أنه مسئول مرصود عن كل ذلك كله، كما قال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق:18) .
والأسباب التى تعني أولئك المبتَلين بانفراط الألسن في رمضان ما يلي:
1.الصيام النزيه الصادق المتجرد لله بكل شروطه وآدابه.
2.شغل اللسان بالذكر والتلاوة والترتيلات والتسابيح، من خلال المكث في المسجد بحيث تقل الخلطة بالناس وأصدقاء المهنة.