خامسًا: كتب تزكية النفوس كمصنفات ابن تيمية وابن القيم وابن رجب والشيخ سيد العفاني وغيرها من الكتب المصنفة في هذا الشأن، نحو: مدارج السالكين والفوائد والجواب الكافي وعدة الصابرين ومفتح دار السعادة لابن القيم، والعبودية والتحفة العراقية لابن تيمية، والأذكار للنووي، ومختصر منهاج القاصدين لابن قدامة المقدسي_غير الفقيه المشهور_ ونداء الريان ورهبان الليل للعفاني.
وليعلم أن من تغيير المعرفة أيضًا، زيادتها لبركات رمضان، فيقرأ الصائم فيما تقدم ويستزيد قرآنًا وتفسيرًا وتبصرة ونورًا ...
(21) تغيير الجوارح
رمضان ثورة على الجوارح، أن يغير من أحوالها الماضية، قال تعالى (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) (الاسراء: 36) .
البصر يغض بصره، ولا يستعمله إلا في المباح والمفيد، والسمع يختص بمجالس الخير والذكر، ويعرض عن مجالس اللغو واللهو المعروفة، واللسان يضبط عياره، ويهذب روحه فلا ينطق إلا بخير، ويغلب عليه الصمت الجميل، وشعاره مع الناس (اللهم إني صائم) .
واليد تتحرك في الخيرات، وتناول المفطرات، وتعين المحتاجين، وتكف عن البطش والأذى، والرجل لا تمشي إلا في خيرٍ، كمسجد أو زيارة أو عيادة أو إعانة أو صلح أو هداية، وتحذر أماكن السوء والضياع، لأن الخطى مكتوبة و، الحركات مرصودة.
كل الجوارح تحس برمضان وتتهيبه، وتحسب له حسابه، وتعد له عدته، ولكن قبل ذلك لابد أن يحس القلب برمضان، ويصوم الصيام الذكي النقي ...
فيعيش مواد القرآن المذكرة، وآياته المطهرة، لما في القلب من ضغائن وأحقاد، ويتشبع بالإخلاص، وينير بالمواعظ الزاكيات، والبينات الواعيات، فينعكس ذلك على جوارحه وأعضائه، فلا يقول إلا خيرا، ولا يسعى إلا في معروف أو جميل.
قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (ألا وإن في الجسد مضة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) .
(21) تغيير الأحزان
رمضان أكسير السعادة، له روحانية عجيبة، واجتماعية فريدة .. !!
رغم ما في الصوم من ظمأ وتعب أحيانًا، لكن تشعر بأمل فسيح إلى الأمان والراحة والبهجة، يزين ذلك كله الصيامُ المخبت، والذكر اللاهج، والروح الهادئة، يحس العبد أنه يؤدي واجبًا عظيمًا لله، فتخالطه المحبة والراحة النفسية، التي يغذيها القرآن وذكر الله، وتمجيده وتسبيحه ...
وحينما يدنو الإفطار تعلوه فرحة جديدة، أشاره إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه) .
يفرح بإعانة الله له على الصيام، وبجميل المشوار، وبهدوء الخاطر، وبنعمة الإتمام، وحضور الطعام، وبرودة الشراب ... يتخيل أن أوراق الفرح تكتنفه من كل الجهات ...
ود لو أكل كل الطعام الممدود، من حلاوة النهاية الصومية .. !! ولكن هيهات، ما هي إلا ثمرات وماء وبعض الرقائق .. ! ثم يحس بالشبع، فيقوم وقد تعجب من صومه وفطره وتمام نعمة الله عليه، فيحمد الله ويشكره على عظيم النوال، وكبير الآلاء التي تحفه في كل ساعة ويوم ... ويتفكر في حقارة هذه الدنيا، وأن دواءها في شربة ماء، أو شق تمرة .. ! فيسائل نفسه لماذا لا أصوم دائمًا .. الصوم ليس صعبًا أو عسيرًا!! قال صلى الله عليه وسلم: (لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ) أخرجه الترمذي والبيهقي في الشعب وهو صحيح.
ما أبعدَنا عن الله، وأشدَّ غفلتَنا عن ذكره وحسن عبادته!!
تأمُّل كل ذلك، يجدد الأمل في الإنسان، ويذهب عنه حزنه القديم، أو همومه المتوالية، أو رزاياة المتعاقبة!
لقد كسرها كلها بحلاوة الصيام، وتجديد الروح بالذكر والطاعة، ولذيذ الاجتماع بالمسلمين في التراويح والذكر والإفطار.
لكأنه يقول: رمضان شهر الراحة والسعادة .. لا شهر التعب والظمأ، إنني أفرح في كل يوم، وأسعد في كل ساعة، لا حزن بعد اليوم، ولا غم من بعد هذه الليالي المنيرات، الحمد لله على نعمة الله، ومنة الصيام والقيام والإفطار ...
(23) تغيير العادات
ثمة عادات ليست بحسنه، كانت تعتري بعض الناس ... ورمضان، بما فيه من عجائب وآلاء وهبات، قادر بإذن الله على تغييرها، وتحويلك إلى الأحسن الجميل.
كنتَ كسولًا نؤومًا .. !
تستطيع دفع ذلك في رمضان، بشحذ الهمة، ومشاركة الصائمين، في طاعاتهم وسباقهم في المعروف.
بعض الناس يشرب الدخان، وفى رمضان يضطر لتركه نهارًا، لصحة الصيام، ولكنه بإيمان الصادق، واستشعاره هيبة الشهر، سيكون رمضان بوابة لتركه نهائيًا.
يستحضر أنه في شهر القرآن والجود، والمسارعة، والفرصة الذهبية، التي قد ذُللت تذليلًا قال صلى الله عليه وسلم: (رَغِمَ أنفُ رجلٍ أدركه رمضان ثم انسلخ فلم يغفر له) .
مجرد الإدراك، كافٍ في إيقاظ النفس مهما كانت غفلتها وصدودها .. إنها لن تقوى على إيقاف تيارات الخير والبر، والاستحواذ الرمضاني المجيد.