إن الحكمة الدعوية هنا، تتطلب توفير الجهد، وتجديد الخطاب، حول المناسبة الكريمة.
فمن كان يشرح في الطهارة والصلاة، تحدث عن الصيام والزكاة، ومن كان يقرأ في موضوعات عامة، اقرأ الآن في رمضان وفضائله .... الخ
وكما قلنا بوجوب تغيير المنطق واللسان، نقول هنا بتغيير لغة الدرس، والخطاب، يعني أن تكون حريصة شفيقة على الناس، لطيفة هادئة، لا تسفههم ولا ولا تعنفهم، كمن يقول (الرمضانيون) أو يجعلهم كمن يحقِّر أعمالهم المتواضعة، أو يطالبهم بالكمال، كمن يقلل من شأنهم!! والنبى صلى الله عليه وسلم يقول:
(لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طليق) رواه مسلم.
لذلك فإن خطاب رمضان مع كونه خطابًا تحضيضيًا على الخير، إلا أنه يجب أن يكون في إطار الرحمة والإشفاق والتشجيع ...
ويتعين شموله لجميع الفئات من النساء والأطفال، والعمال والفقراء، ويطل به إمام المسجد، عبر أكثر من قناة، فثمة درس العصر، وهو عبارة عن قراءة رمضانية معتادة، وبعد المغرب، فتوى صيامية سريعة، ودرس التراويح، مواعظ عامة في رمضان والقرآن، وقد كنت أمارس ذلك، وأشاهد لهف الناس واحتمالهم لهذا المنهج ...
وكان العبد الفقير يزيد بحمد الله في الجامع، درسًا بعد الفجر في السيرة النبوية، نقرأ، في غزوة بدر أو الفتح، بمقدار صفحة أو صفحة ونصف كل يوم، باستثناء الجمعة فهو يوم خطبة، فمن طاب له ولحيّه، هذا المنهج فبِها ونِعمت، وإلا فالمقصد النفع والتأثير، ولو بأقل القليل ...
لأن رمضان استثمار دعوي، ومشروع إصلاحي، يمكن لنبلاء الدعاة توظيفه للنفع وتحقيق المقاصد الدعوية، وهي كالتالي:
أولا: رفع معدل الإيمان عند الناس، وتعبيدهم للحي القيوم.
ثانيا: تعزيز قيم الإسلام لديهم من الصبر والجود والتعاون والتآزر.
ثالثا: تحويلهم لأدوات فاعلة في خدمة المشاريع الإصلاحية والخيرية.
رابعا: تثبيتهم على الصراط المستقيم، من خلال تبيينه بجلاء، وإيضاح خطواته الصحيحة. كالصوم والتلاوة والسخاء والبر والمعروف وما شاكل ذلك. (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (153 الأنعام) .
خامسا: تحذيرهم من المغريات والفتن التي لا تتصاعد إلا في رمضان .. ! وكأنه بات موسما للسفه والتلاعب والعياذ بالله .. !! قال صلى الله عليه وسلم: (( رب صائمٍ، ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائمٍ ليس له من قيامه إلا السهر ) ).رواه ابن ماجة والنسائي في الكبرى وهو صحيح.
(30) تغيير الأفراح
كنا نفرح قبل رمضان على الشهادة، وتحقيق الإنجاز، أو الكسب المالي أو اللقاء بالأحبة، لكننا في رمضان نفرح أفراحًا إيمانية زاهية منها:
الأول: بلوغ رمضان، فتستبشر كثيرًا، لأن الله بلغك رمضان، فتهنئ نفسك، والآخرين بذلك، وتستعد بالزينة والابتهاج.
الثاني: الفرح بالصيام وروعته، وأنك تمتطي سَننًَا لذيذًا، لا مثلَ، له ولا شبيه.
الثالث: تفرح لما تنجزه من قراءات وتلاوات مباركة.
الرابع: تفرح عندما تكظم غيظك، وتحفظ منطقك، وتضبط جوارحك، وترفع شعار (إنى صائم) .
الخامس: وتفرح كلما سارعنا في الخيرات من إنشاء حسنة، أو إيتاء فضل، أو تسجيل معروف.
السادس: وتفرح إذا حضرت ساعة الإفطار، فتأكل مما أباح الله لك بعد أن كان محرمًا، فتشكر الله على نعمه وآلائه، وتحب الصيام إذا انتهى بك إلى هذه الفرحة العجيبة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (للصائم فرحتان، فرحة عند فطرة، وفرحة عند لقاء ربه) .
السابع: وتفرح باجتماع الصائمين في التراويح، وخشوعهم مع القرآن، وتحس كأنك لأول مرة تسمع هذا الكتاب الحكيم، الذى يخطف فؤادك ويجعلك في جنة باهرة، وكنوز فاخرة ...
الثامن: وتفرح كلما فطرت مسكينًا، أو رحمت ضعيفًا، أو كسوت يتيمًا، وتحس بوحدة الأمة، وإخوة الاسلام (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات:10) .
التاسع: وتفرح إذا هل هلال العيد وطلَّت أزهاره، وأشعت حدائقة، فتخفف عنا أحزان الفراق، وآلام الوداع، فنلبس الجديد، ونغتسل، ونبكر للعيد، ويهنئ بعضنا بعضا، ويتواضع الجميع، وتعلو السعادات، وتشرق المسرات، ويتناسى الجميع خلافاتهم ومنغصاتهم، أملًا في تجسيد الإخوه، وتحقيق الترابط، والالتحام، فيُرى المتعاونون كإخوة متراصين، فرحين، مترابطين يخالطهم الفقراء والمساكين، بكل فرح وحب وسرور ويلين بعضهم لبعض، وتذهب أنفة التعالي والكبر والانعزال.
قال صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد، بالسهر والحمى) أخرجاه.
ولا مقام للتحزن والتشاؤم أيام العيد وترداد ما قال المتنبي الشاعر:
عيدٌ بأيةِ حالٍ عدتَ يا عيدُ ... بما مضى أم بأمر فيك تجديدُ؟!
أما الأحبة فالبيداءُ دونهمُ ... فليتَ دونك بيدَا دونَها بيدُ!