فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 6

أستطيع أن أتصور المجاهد شخصًا قد أعدَّ عدته وأخذ أهبته وملك عليه الفكر فيما هو فيه نواحي نفسه، وجوانب قلبه فهو دائم التفكير عظيم الاهتمام على قدم الاستعداد أبدًا إن دُعِيَ أجاب وإن نُودِيَ لبى، غدوه ورواحه وحديثه وكلامه وجدُّه ولعبه لا يتعدى الميدان الذي أعد نفسه له، ولا يتناول سوى المهمة التي وقف عليها حياته وأرادته يُجاهد في سبيلها تقرأ في قسمات وجهه، وترى في بريق عينيه، وتسمع من فلتات لسانه ما يدلك على ما يضطرم في قلبه من جوى لاصق وألم دفين، وما تفيض به نفسه من عزيمة صادقة، وهمة عالية وغاية بعيدة، ذلك شأن المجاهدين من الأفراد والأمم، فأنت ترى ذلك واضحًا جليًا في الأمة التي أعدت نفسها للجهاد تلحظه في مجالسها، وأنديتها وتراه في أسواقها وشوارعها وتستشعره في مدارسها وبيوتها وتستجليه في شبابها وشيبها ونسائها ورجالها، حتى ليخيل إليك أنَّ كل مكان ميدان، وكل حركة جهاد.

أستطيع أن أتصور هذا لأن الجهاد ثمرة الإدراك يولد الشعور، وينفي الغفلة، والشعور يبعث على الاهتمام واليقظة، والاهتمام يؤدي إلى الجهاد والعمل، ولكل ذلك آثاره ومظاهره. أما المجاهد الذي ينام ملء جفنيه ويأكل ملء ماضغيه، ويضحك ملء شدقيه، ويقضي وقته لاهيًا لاعبًا عابثًَا ماجنًا، فهيهات أن يكون من الفائزين أو يُكتب في عداد المجاهدين.

والأمة التي ترى كل حظها من الجهاد كلمات تُقال أو مقالات تُكتب، ثُمَّ إذا فتشت قلوب القوم وجدتها هواء، وإذا خبرت اهتمامهم بالأمر رأيته هباءً، وانغمسوا في غفلة لاهية ونومة عابثة فمحالهم وأنديتهم ومجامعهم وبيوتهم لا ترى فيها إلا لهوًا ومجونًا وعبثًا ودعابةً ولعبًا وتسليةً وقتلًا للوقت في غير فائدة كل هَمِّ أحدهم متعة فانية أو لذة زائلة أو ساعة مرحة أو نكتة مستملحة فهذه الأمة الهزل أقرب منها إلى الجد بل لا حظَّ لها في الجد أبدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت