الصفحة 3 من 23

لقد كان العربي كائنًا خاملًا إلا على مستوى محيطه، لا يملك رؤية خارج أفق الصحراء التي تأسره، ففي داخلها تكمن أحلامه وأشواقه، إذ مجرد قطعة أرض خضراء في وسطها تجعل منه (( مسلكًا شعوريًا ) )، وجلب (( سيف هندي ) )وقطعة قماش يمنية تعطيه فخرًا أن الدنيا خضعت له ببرها وبحرها، فهو ممتلئ في داخله بكل مشاعر الفخر والعزة لأنه طليق في أفق الصحراء القاحلة.

لقد جاء الاسلام لهذا الانسان العربي ليحول هذا الأفق الواهم إلى أفق حقيقي، وليقلب فخره وعزته أنه سيد نفسه إلى فخر وعزة الاسلام الذي يسوق الأمم إلى الهداية والقيم والسعادة في الدنيا والآخرة، فشبت ارادته من حرية نفسه في محيطه إلى سيادة العلم أجمع، فلم تعد الصحراء ولا شيق ذات اليد، ولا هيبة الآخر في ملكه وسلطانه تعوقه أن يجالد ويقاتل ويهدي ويعلم، فانطلق سيدًا للكون بعد أن انطلقت ارادته، فهو لا يحمل إثمًا، ولا ثأرًا، ولا أسيرًا لخوف أو وهم، ولا جبانًا أمام موت أو مخلوق آخر، ذلك لأن أكسير الاعتزاز بالدين، والثقة بالوعود، والرغبة في الموت ولقاء الله، وتقفر الصعاب لكسب الأجور فعلت في نفسه الأعاجيب، فهو لا يهرب من المشقات بل يبحث عنها، ولا يلوي عنق راحلته عن ذرى الجبال لأنه يريد أن يكبر الله عليها، فعاد الخلق الفطري إلى مستقره كما قال الله تعالى (( وسخر لكم ما في السموات والأرض جميعًا منه ) )، إذ صارت الأقدار الكونية خادمة له لا قاهرة له، وعاملة لأمره لا وحشًا ينازعه، وامتزج مع ذلك كله تواضع انساني راق بأنه عبد لله، وأنه صاحب رسالة يؤديها لهم برفق وحنو ورحمة، فكان أن حدث ما رأته البشرية من صناعة التاريخ على وجه الفرادة الهائلة التحديات والصعاب أمام أصحاب الارادات فرصة إيمانية لتحقيق الأمر الالهي، ولذلك هي في منهج الأنبياء ليست مما يحذر منه، ولكن مما حذروا منه هو (( الرخاء ) )الذي يصنع (( السكون ) )و"الارتداد إلى الداخل"فيقوم على النافس وحروب لاخوانه والجماعة الواحدة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أبشرو وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ) ).

لقد ورثنا في يومنا هذا دينًا وسطيًا عماده ما ركب على"الرخاء"إذ كل أصوله تقوم على النكوص إلى الداخل، والمصلح فينا من يريد أن يضبط توزيع أو ينمي ما خافه علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أن تبسط الدنيا عليكم ) )، وحالت هذه المذاهب والأديان بيننا وبين النور الذي في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنور إذا اختلفت بيئة انكسر، وهكذا صار هدي الكتاب والسنة يدخل في كل هذا التاريخ ومذاهب البشر فيه، ثم يصلنا بعد ذلك مكسورًا من خلال كثافة رغد الدنيا وانبساطها، فتحول الشرع إلى رعاية ذلك كله، وصارا خادمًا تطوع نصوصه وقواعده وأصوله لذلك.

كان أعظم البدع وأشدها أثرًا علينا هو تغيير بيئة الدين، لأنه بهذا تغيير وجهته، وقد تغيرت حقًا من رجاء الدار الآخرة والزهد في الدين إلى عكس ذلك كله؛ أي ضعف ذكرى الدار الآخرة وحب الدنيا وكراهية الموت، وبيئته دين الله هو (( الغزو ) )،أي الحركة نحو الآخر، وترك السكون، وبناء الحياة على أساس"الجهاد"والبذل والعطاء، لأن صبغة هذه الأمة هي الخيرية والوسطية، وهذا يعني القيادة للمهتدي ورد الضال المعتدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت