الصفحة 49 من 951

اعلم أن مما وقع فيه الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة رؤية الباري جل شأنه في الآخرة فأثبت الأولون جواز ذلك ووقوعه ونفى المعتزلة الأمرين واعتلوا لما ذهبوا إليه من عدم جواز رؤيته تعالى بأن الرؤية تعتمد كون المرئي في جهة وكونه مقابلا للرائي وكونه غير مفرط البعد عنه ولا مفرط القرب منه فان اختل شرط من ذلك لم يمكن وقوع الرؤية. قالوا وكل هذه الشروط لا يمكن اعتبارها في حقه سبحانه وتعالى فلا تكون رؤيته جائزة لأن ما يتوقف على محال فوجوده محال: وبناء على القاعدة المعروفة بين المتكلمين من ان النقل إذا عارضه العقل وجب تأويله حتى يوافق العقل عمدوا الى تأويل النصوص القرآنية المصرحة بوقوع رؤيته تعالى لجماعة من المؤمنين في الآخرة لئلا تصادم العقل فتأولوا قوله تعالى (وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة) بما ذكره المصنف وتأولوا قوله تعالى لموسى (لن تراني ولكن انظر الى الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني) بأنه علق الرؤية على استقرار الجبل حين تحركه واستقرار الجبل حين تحركه محال فما علق عليه كذلك والحق الذي يجب المصير إليه أن رؤية الباري جل شأنه جائزة والآيات القرآنية التي وردت بوقوعها في الآخرة ان كان فيها بعض اجمال يسوغ التأويل فقد ورد في الأحاديث الصحيحة الصريحة ما لا يمكن الطعن فيه ولا صرفه عن ظاهره ومن ذلك الحديث الذي رواه أحد وعشرون صحابيا ان النبي صلى الله عليه وسلم قال انكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون فكان هذا بيانا لمجمل الآيات ثم ان كون الرؤية مشروطة بما تقدم من الشروط فانما ذاك في رؤية الحوادث وكون ذلك مشروطا في رؤيته تعالى غير معلوم وقياس الغائب على الشاهد مع اختلاف ما بينهما غير جائز والوقوف عند ظواهر الشريعة واجب ما أمكن والتسرع في التأويل لمجرد التوهم غير حميد والله الهادي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت