الصفحة 858 من 951

(مجلس آخر 66) [ تأويل آية ] .. إن سأل سائل عن قوله تعالى (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله) الي آخر الآية.. فقال ما أنكرتم أن تكون هذه الآية دالة على أنه جعل الكافر كافرا لانه أخبر بانه جعل منهم من عبد الطاغوت كما جعل القردة والخنازير وليس يجعله كافرا إلا بأن يخلق كفره.. الجواب يقال له قبل أن يتكلم في تأويل الآية بما تحتمله من المعاني كيف يجوز أن يخبرنا تعالى بأنه يجعلهم كفارا وخلق كفرهم والكلام خرج مخرج الذم لهم والتوبيخ على كفرهم والمبالغة في الازراء عليهم وأى مدخل لكونه خالقا لكفرهم في باب ذمهم وأى نسبة بينه وبينهم وبين ذلك بل لا شئ أبلغ في عذرهم وبراءتهم من أن يكون خالقا لما ذمهم من أجله وهذا يقتضى أن يكون الكلام متناقضا مستحيل المعنى ونحن نعلم أن أحدا إذا أراد ذم غيره وتوبيخه وتهجينه بمثل هذا الضرب من الكلام إنما يقول ألا أخبركم بشر الناس وأحقهم بالذم واللوم من فعل كذا وصنع كذا وكان على كذا وكذا فيعدد من الاحوال والافعال قبائحها ولا بجوز أن يدخل في جملتها ما ليس بقبيح ولا ما هو من فعل الذام أو من جهته حتى يقول في جملة ذلك ومن شاغل بالصنعة الفلانية التى أسلمها إليه وحمله عليها وإن عقلا يقبل هذه الشبهة لعقل ضعيف سخيف.. فان قيل أليس قد ذمهم في الكلام بأن جعل منهم القردة والخنازير ولاصنع لهم في ذلك فكذلك يجوز أن يذمهم ويجعلهم عابدين للطاغوت وإن كان من فعله.. قلنا إنما جعلهم قردة وخنازير عقوبة لهم على أفعالهم وباستحقاقهم فجرى ذلك مجرى أفعالهم كما ذمهم بأن لعنهم وغضب عليهم من حيث استحقو ذلك منه تعالى بأفعالهم وعبادتهم للطاغوت فإن كان هو خلقها فلا وجه لذمهم بها لان ذلك مما لا يستحقونه بفعل متقدم كاللعن والمسخ.. ثم نعود إلى تأويل الآية فنقول لا ظاهر للآية يقتضى ما ظنوه وأكثر ما تضمنته الاخبار بأنه جعل وخلق من يعبد الطاغوت كما جعل منهم القردة والخنازير ولا شبهة في أنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت