فهرس الكتاب
ولانت بعد قسوتها، ونالوا بذلك من القوة بعد الضعف، والعز بعد الذل، والعلم بعد الجهل، ما فتحوا به البلاد وقلوب العباد، وعلت بذلك كلمة الله، وصارت كلمة الكفر إلى السفال والفشل والإذلال، وعزل سلطان الجاهلية والإشراك، فلله الحمد على ذلك إلا أن إبليس أعاذنا الله منه لشدة عداوته لبني الإنسان وعظيم تغلغله بالكفر والطغيان ومزيد جده في الصدف عن طاعة الرحمن، وإن كان قد صدر منه ما صدر من اليأس لم يدع الجد في إطفاء هذا النور والتنفير عن الحق والترغيب في أنواع الكفر والإلحاد والفجور والدعوة إلى البدع والإكثار من الأزّ إلى المعاصي والشرور، وبث الشبه والشبهات وألوان المغريات على أيدي حزبه ومن استجابوا له من شياطين الإنس، ومن أنواع الخدع بزينة الدنيا وزخارفها الفتانة وضروب الشهوات وشتى أسباب الصد عن ذكر الله وعن الصلاة من أجناس الملاهي وصنوف المسكرات حتى ثقل على القلوب سماع القرآن وحصل التهاون بوعيده وعدم الاهتمام بزواجره وتهديده. ولا سيما بعد ما تصرمت أيام القرون المفضلة فإنه قد اشتد الخطب وانفتح باب الشر على مصراعيه ولم يزل في مزيد. وإن كان ربنا تبارك وتعالى قد مَنَّ ببقاء أصل هذا النور وتأييد هذا الحق بما أجراه على أيدي علماء الصدق وورثة الرسل من تجديد هذا الدين وإقامة حجج الله على عباده. ومع ذلك فالأمر على ما وصفته من تأثير مساعي إبليس وجنوده على الأكثر حتى اشتدت الكربة وصار الدين في غاية من الغربة ولا سيما أزماننا هذه التي صار فيها عند الأكثر المعروف منكرًا والمنكر معروفًا والسُّنة بدعة والبدعة سُنَّة. ربى على ذلك الصغير وهرم عليه الكبير، وطغى طوفان المادة وأخفى غبار الشبهات والشهوات وضوح الجادة وفشا الجهل وتكلم في الأمور الدينية من ليس لها بأهل حتى صرح من صرَّح من جهلتهم فيما يكتبونه وينشرونه بمزيد الحث والتحريض على ما هو من أعظم ما يهدم الإسلام وينسي أصوله العظام وأصبحت القلوب إن لم تمت في غاية من أنواع الأمراض مرض الجهل ومرض الشهوة ومرض الشبهه حتى استولت عليها القسوة والظلمة، فإنا لله وإنَّا إليه راجعون ...
فيالها من أمراض ما أصعبها مع الإعراض عن الأدوية المحمدية، وما أسهلها وما أخفها وما أسرع برأها متى عُولجت بالدواء الذي بُعِثَ به طبيب القلوب الأكبر - صلى الله عليه وسلم -.
وقد سَمَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - الجهل مرضًا لما ينشأ عنه من عمى القلوب الذي هو المرض - أي مرض - وفيما بعث به - صلى الله عليه وسلم - من الكتاب والشُّنَّة لهذه الأمراض أنجح دواء وأنفع شفاء. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [1] وقال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا} [2] فهلمَّ إخواني نداوي هذه الأمراض بأدوية كتاب الله وسُنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بتدبر
(1) سورة يونس-آية 57.
(2) سورة الاسراء-آية 46.