لقد فهمت الإدارات المتعاقبة على السلطة في الولايات المتحدة بأن التحكم بالعالم لا يكفيه فقط امتلاك القوة العسكرية الضاربة والهيمنة على أسواقه وحكامه بل هو بحاجة لوسائل أخرى تصل إلى إخضاع جميع أفراده حتى تنتهي عملية الاستلاب على وجهها الأكمل فلم تكتف بإخضاع النفوس بل أرادت إخضاع الرؤوس أيضًا، وذلك عن طريق محو وإبادة ذاكرة الشعوب، فطالت هيمنتها عالم الاتصالات والسينما والتلفاز واللباس والجنس والطعام والشراب واللغة ... ... ، وقد قام الكاتب بعرض هذا الجانب بأسلوب شيق.
إن تبني الليبرالية المتطرفة كعقيدة تجارية واقتصادية هو الذي فرض هذه السياسات التي تهدف إلى محو ذاكرة الشعوب. كلنا نعلم أن الغاية الأولى والوحيدة لهذه الليبرالية هو انفتاح الأسواق أمام البضائع الأمريكة دون أية حواجز دفاعية لحماية المواطنين المحليين، ونعلم أيضًا أن أصحاب هذه العقيدة يملكون هدفًا واحدًا فقط ألا وهو جني المنافع والأرباح والمال، وكل الوسائل يُسمح باستخدامها لتحقيق هذا الهدف دون أي رادع. وخلال صعود الليبرالية الجنوني أدركت الولايات المتحدة أن التنوع السياسي والجغرافي والتاريخي في العادات والتقاليد والمعتقدات والقوانين والثقافات يشكل حواجز وروادع إنسانية وأخلاقية أمام انتشارها فكان لابد من وضع خطط تفرض الرأي الواحد وتمحو هوية الآخرين.