فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 133

هذا اللقاء الندي كفيلًا بأن يفقد ابن سبأ وأتباعه صوابهم، فبدأت ملامح اضطراب نفسي تفصح عن مكنونات الصدور، وتؤكد أن الشيعة قد اختلطت بهم عناصر التآمر منذ قتل عثمان - رضي الله عنه -، وجاءت اليوم لتكمل إشعال نار الفتنة بين المسلمين وما زالت.

بتلك المعاملة الكريمة من أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- نراه قد اتبع ما أوصاه به نبي الأمة -صلى الله عليه وسلم- عندما قال له: «إِنَّهُ سَيَكُونُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَائِشَةَ شَيْءٌ"قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:"نَعَمْ"قَالَ: أَنَا مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي؟ قَالَ:"نَعَمْ"قَالَ: فَأَنَا أَشْقَاهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ , قَالَ:"لَا، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ، فَأَبْلِغْهَا إِلَى مَأْمَنَهَا"» [1] . وقد خالف الصواب من ظن أن خروج أم المؤمنين إلى البصرة كان لشيء في نفسها من علي -رضي الله عنه- لموقفه منها في حديث الإفك حين رماها المنافقون بالفاحشة فاستشاره النبي -صلى الله عليه وسلم- في فراقها. فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك [2] . وهذا الكلام الذي قاله علي-رضي الله عنه- إنما حمله عليه ترجيح جانب النبي -صلى الله عليه وسلم -، لِما رأى عنده من القلق والغم بسبب القول الذي قيل، وكان شديد الغيرة، فرأى علي أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن يتحقق براءتها، فيمكن رجعتها، ويُستفاد منه ارتكاب أخف الضررين لذهاب أشدها [3] ."

وقال النووي: رأى علي -رضي الله عنه- أن ذلك هو المصلحة في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -، واعتقد ذلك لما رأى من انزعاجه، فبذل جهده في النصيحة، لإرادة راحة خاطره صلى الله عليه وسلم [4] . وعلي -رضي الله عنه- لم ينل عائشة - رضي الله عنها - بأدنى كلمة يفهم منها أنه قد عرض بأخلاقها أو تناولها بسوء، فإنه على الرغم من قوله للنبي -

(1) أخرجه أحمد (6/ 393، رقم 27242) ، والطبرانى (1/ 332، رقم 995) ، وقال الهيثمى (7/ 234) : رجاله ثقات. وإسناده حسن.

(2) البخاري رقم (4786) .

(3) بتصرف من دور المرأة السياسي في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- والخلفاء الراشدين لأسماء محمد أحمد زيادة: ص (462) .

(4) شرح النووي على صحيح مسلم (5/ 634) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت