فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 133

الحل الرابع: وهو الذي اختاره النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك لما تأخر عنه الوحي قرابة الشهر، وهو أن يشاور من يراه أهلًا للمشورة، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحِيُ، يَسْتَأْمُرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يُضَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَاسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقُكَ.

فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ فِيهَا شَيْئًا يَرِيبُكِ؟ فَقَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ رَأَيْتُ مِنْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا قَطُّ.

تدلنا معالجة النبي -صلى الله عليه وسلم- للمشكلة التي استغلها عبد الله بن أبي بن سلول بالشكل الذي رأيناه، على قدر ما آتاه الله من براعة فائقة في سياسة الأمور وتربية الناس والتغلب على مشاكلهم.

لقد كان ما سمعه - صلى الله عليه وسلم - من كلام ابن سلول مسوغًا كافيًا لأن يأمر بقتله؛ ولكنه - صلى الله عليه وسلم- استقبل الأمر بصدر أرحب من ذلك، وتسامح عن اللغط الذي جرى، والتناوش الذي وقع، والمدينة فيها عدد كبير من المنافقين الذين يبحثون عن شيء مثل هذا ليقوموا ويقعدوا به، فلم يعالج الأمر بعاطفة متأثرة، وإنما ترك الحكمة وحدها هي التي تدبر فكان أن مر الحادث بدون خسائر تذكر.

(13) بيان فضل الله على المؤمنين ورأفته بهم: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [1] .

(1) (((14) سورة النور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت