فهرس الكتاب
بينها وبين تبرئة أولئك؟ وما ذاك إلاّ لإظهار علوّ منزلة رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، والتنبيه على إناقة محلّ سيد ولد آدم، وخيرة الأوّلين والآخرين، وحجة الله على العالمين [1] .
خلاصة في حادثة الإفك:
هذه المحنة التي نحن بصددها صقلت الجميع أتباعًا ومتبوعين، فأما عائشة - رضي الله عنها- فقد خرجت كعادتها سابقًا؛ ليست فقط منتصرة مرفوعة الرأس بل بركة على الأمة في حياتها وبعد مماتها، فقد أظهر لها الشانئون حبًا دفينًا بين ضلوع الموحدين، واستفز ظلمهم أقلامًا مدادها الحق راحت تسطر لها صفحات من النور لو اطلع عليها الشانئون لعضوا أنامل الندم على اليوم الذي أظهروا فيه حقدهم؛ لأنه لم يضرها وبدد ماء وجوههم وأظهر غيظ قلوبهم أمام من كان منخدعًا بتقيتهم يجري في ركاب معيتهم، في الوقت الذي انحاز الصالحون البارون من أبنائها إلى حصن الحق الذي كم وقفوا مدافعين عن حياضه؛ فلم تضرهم الهجمات بقدر ما زادت قناعتهم بالحق الذي هم عليه، ووثقت على درب الإيمان عقودهم؛ فخرجوا كأمهم من أزماتهم أكثر نقاء وصفاء، فهذا الشبل من ذاك الأسد.
علامات الخير في حادثة الإفك:
أولًا: أظهرت هجمتهم الشرسة على أمنا عقيدة ضالة كان القوم يسترونها بالتقية، فكم عانينا - والله - من عوام أهل السنة الذين لا يصدقون في القوم قول العلماء وطلبة العلم، حتى كشر القوم عن أنيابهم الزرقاء، وفَتَشُوا بأنفسهم مكانين طويتهم السوداء، فكان ذلك لنا كالنور في الظلماء تهتدي به عوام أهل السنة، وتنتبه من غفلتها التي كانت بسببها عن القوم في عماء، فالحمد لله وله الشكر أن أفاقت من جراء البلاء الدهماء.
(1) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل للزمخشري المعتزلي ج3ص 223