فهرس الكتاب
الله غير ظالمي، وأما أبواي، فوالذي نفس عائشة بيده! ما سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما قاله الناس. قالت ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وانه ليتحدر من وجهه مثل الجمان في يوم شات، فجعل يمسح العرق عن وجهه ويقول: (أبشري يا عائشة! قد أنزل الله عز وجلّ براءتك) .
قالت: قلت الحمد لله!
ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله عز وجل من القرآن في ذلك، ثم أمر بمسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت رضي الله عنهما، وحمنة بنت جحش رضي الله عنها وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدّهم [11] .
وأخرجه أيضا الإمام أحمد وفي سياقه:
قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله! لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله عز وجل الذي أنزل براءتي، وأنزل الله عز وجل: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم. لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا أفك مبين. لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون. ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم، إذ تلقّونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم، ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم. يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين. ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم. إن الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم} [12] .
وحديث الإفك، الذي تناول بيت النبوة الطاهر الكريم، وعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم إنسان على الله، وعرض صديقه الصديق أبي بكر رضي الله عنه أكرم إنسان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرض رجل من الصحابة صفوان بن المعطل رضي الله عنه يشهد رسول الله أنه لم يعرف عليه إلا خيرا ..
هذا الحادث .. قد كلف أطهر النفوس في تاريخ البشرية آلاما لا تطاق، وكلف الأمة المسلمة كلها تجربة من أشق التجارب في تاريخها الطويل، وعلق قلب رسول الله وقلب زوجه عائشة التي يحبها، وقلب أبي بكر الصديق وزوجه، وقلب صفوان .. شهرا كاملا. علقها بحبال الشك والقلق والألم الذي لا يطاق [13] .
والحادث مليء بالعبر .. يحتاج من يريد أن يعلق على مجمل حوادثه إلى كتاب كامل .. لقد أراد المرجفون النيل من الإسلام ومن صاحب الرسالة فاختاروا هدفهم في شخص السيدة عائشة بنت الصديق. فقد كانت شخصية هامة على كل الأصعدة: الأقرب من قلب رسول الله، والأفقه في دين الله، ومن بيت الصديق أقرب المؤمنين إلى رسول الله، ترعى المسلمات اجتماعيا، صاحبة رأي وفكر .. ومن هنا فإن تسديد الهدف لهذه الشخصية الكبيرة سيكون ذا واقع كبير وتأثير شديد على الإسلام وعلى صاحب الرسالة.
وسام البراءة
عائشة البريئة .. كانت تدرك أن الله تعالى مبرئها .. ولكنها لم تتوقع أن ينزل الله تعالى في شأنها قرآنا يتلى. (ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى. ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله [في النوم رؤيا يبرئني الله تعالى بها) .. وهكذا رفع القرآن من مكانة المرأة، واهتم رب العزة لقضيتها .. وأنزل فيها قرآنا