الصفحة 27 من 52

يتعبد المسلمون بقراءته إلى ما شاء الله .. فبعد أن كانت المرأة في أنحاء الدنيا في جاهلية العرب وخارجها إنسانا هامشيا لا يحسب له أحد حسابا .. إذا به تنشغل السماء بمظلمته .. وينزل القرآن .. يبرأ صاحبة هذه المظلمة.

واستعلت عائشة بالوسام القرآني .. وكانت تفاخر أبدا بقولها: (أنا التي أنزلت براءتي من السماء) .

ولم يكن وساما لصدر أم المؤمنين عائشة فحسب بل ولصدر جميع بناتها المسلمات الداعيات في كل مصر وعصر.

عائشة العالمة

دخلت عائشة بيت النبي وهي صغيرة، فترعرعت في مهبط الوحي، ومنبع العلم تغرف منه ما شاء لها ذكاؤها وعبقريتها، وتأثرت بهدي رسول الله فنشأت مجتهدة في دينها وعبادتها، وكان الرسول حفيا بها يعلمها، ويعني بها، ويخرج بها في مغازيه، وكانت أخبر الناس بتاريخ الرسول والمسلمين، كما كانت أعلم الناس بجاهلية العرب .. فلم ينتقل الرسول إلى جوار ربه حتى خلفها مرجعا وحجة يلجأ إليها الكبار والصغار متعلمين مستفتين.

كان الناس يرون علم عائشة قد بلغ ذروة الإحاطة والنضج في كل ما اتصل بالدين من قرآن وحديث وتفسير وفقه. كانت في المدينة مع الفقهاء الكبار كعبد الله بن عمر وأبي هريرة وابن عباس في مقام الأستاذ من تلاميذه. كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يحيل عليها كل ما تعلق بأحكام النساء أو بأحوال النبي البيتية، لا يضارعها في هذا الاختصاص أحد من النساء على الإطلاق.

طار صيتها في التمكن من العلم، ورجع إلى قولها كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وابنه وأبي هريرة وابن عباس وابن الزبير. وقد نقل عنها وحدها ربع الشريعة على ما يقول الحاكم في مستدركه [14] . قد ألّف بدر الدين الزركشي كتابا قصره على موضوع واحد هو استدراكات السيدة عائشة على الصحابة أسماه (الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة) وقال في مقدمته: (هذا كتاب أجمع فيه ما تفردت به الصديقة أو خالفت فيه سواها برأي منها أو كان عندها سنة بينة، أو زيادة علم متقنة، أو ما أنكرت فيه على علماء زمانها، أو رجع فيه إليها أجلة من أعيان أوانها، أو حررته من فتوى، أو اجتهدت فيه من رأي رأته أقوى. وأورد الزركشي استدراكها على ثلاثة وعشرين من أعلام الصحابة مثل عمر وعلي وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم. وبلغ عدد استدراكاتها تلك تسعة وخمسين) .

هذه ثقافتها في بيت الرسول أما ما حملته من بيت أبيها الصديق فإحاطة واسعة بالأخبار والأشعار وأيام العرب وأنسابها ومفاخرها.

ورسخت لها هذه المنزلة في العالم الإسلامي حينئذ، وانفردت بها دون غيرها من النساء والرجال. ولنقرأ معا ما كتب عنها الذهبي في كتابه سير النبلاء [15] :

1 -عن أبي بردة عن أبيه قال: ما أشكل علينا أصحابَ محمد حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما.

2 -قال الزهري: لو جمع علم الناس كلهم وأمهات المؤمنين لكانت عائشة أوسعهم علما.

3 -قال مسروق: والله لقد رأيت أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت