فهرس الكتاب
وأغلقت الباب عليها وعلى طفلتها حبيبة مضاعفة الغربة، لا تريد أن تلقى الناس في دار هجرتها، ولا سبيل لها إلى أرض الوطن، حيث أبوها يعلن حربا شعواء على النبي الذي صدقته وآمنت به [3] .
ومن قلب الضيق .. يأتيها الفرج ..
فقد أحس النبي -على البعد- بمأساة أم حبيبة .. التي فقدت زوجها .. وفقدت موطنها .. وعافت أباها من أجل دينها .. فما شعرت ذات يوم إلا وطرقات تلح على بابها الموصد .. فتحته وإذا هي أمام بشارة النجاشي بأن محمدا يخطبها لنفسه ..
وهكذا وجدت أم حبيبة نفسها أمًا للمؤمنين، وسط حفاوة المسلمين الذين مازالوا على أرض الحبشة ووسط رعاية وإكرام النجاشي حاكم تلك البلاد.
ما أدري بأيهما أسر .. ؟
استقرت الأمور في المدينة المنورة لصالح الدولة المسلمة .. فانكسرت شوكة قريش واعترفت بالدين الجديد، واستسلم اليهود بعد معارك فاصلة كانت آخرها معركة خيبر لسلطان المسلمين في جزيرة العرب .. وآن للمهاجرين المستضعفين الذين هاجروا إلى الحبشة أن يعودوا .. فقد أصبحت دار الإسلام دار أمان ومنعة. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي يشكره على حسن استضافته للمهاجرين المسلمين ويطلب منه الإذن بعودتهم إلى ديارهم .. وكانت فرحة المدينة فرحتان .. عبّر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أدري بأيهما أنا أسر: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر .. ومع هؤلاء كانت أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب تنتظر النبي صلى الله عليه وسلم ليحملها إلى بيته، وقد مضى على زواجهما بضع سنين ..
واحتفلت المدينة بهذا الزواج .. و أولم خال العروس (عثمان بن عفان) للمسلمين وليمة حافلة .. وعلّق عليه أبو سفيان فقال: (هو الفحل لا يجدع أنفه) [4] .
وجاء دور مكة .. الحلقة الأخيرة في معسكر الشرك .. فقد نقضت قريش عهد الحديبية، وشعرت بخطورة الموقف .. فلم يعد لها قبل بمحمد وجنوده .. فقررت أن تبعث زعيمها أبا سفيان يفاوض عنها .. يعتذر عن الغدر ويطمع بأن يجدد محمد الهدنة .. وتهيب أبو سفيان لقاء محمد .. فرأى وهو السياسي المحنك أن يتوسل بابنته أم المؤمنين أم حبيبة إلى لقاء القائد المظفر محمد صلى الله عليه وسلم.
(وفوجئت به أم المؤمنين يدخل بيتها، ولم تكن قد رأته منذ هاجرت إلى الحبشة، فوقفت تجاهه بادية الحيرة، لا تدري ماذا تفعل أو ماذا تقول .. وعندما أراد الجلوس .. اختطفت الفراش .. ويسألها أبوها: أطويته يا بنية رغبة بي عن الفراش، أم رغبة بالفراش عني؟
وجاء الجواب: (هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل مشرك، فلم أحب أن تجلس عليه) !
ولم يستطع أبو سفيان أن يزيد عن قوله: لقد أصابك يا بنية بعدي شر [5] .
وتم الفتح .. وفرح المسلمون بعودة الإسلام إلى مكة أم القرى .. وكانت فرحة أم المؤمنين فرحتين .. فرحتها بفتح مكة .. وفرحتها بإسلام أبيها. وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ..
سررتني سرك الله
وأحسّت أم حبيبة بدنو الرحيل، فدعت إليها عائشة فقالت لها: (وقد كان بيننا، ما يكون بين الضرائر .. فتحللينني من ذلك .. ؟ فحللتها عائشة واستغفرت لها، وأضاء وجهها بنور الرضا وهمست: سررتني سرّك الله) .