الصفحة 45 من 52

لك الملك: وكّلي من يزوجك، قالت: فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص رضي الله عنه فوكلته، وأعطيت أبرهة سوارين من فضة وخدَمتين من فضة كانتا عليّ، وخواتيم من فضّة في كل أصابع رجلي سرورا بما بشرتني به، فلما أن كان من العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ومن كان عنده من المسلمين أن يحضروا، وخطب النجاشي وقال: الحمد لله الملك القدوس المؤمن العزيز الجبار، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم.

أما بعد: فإن رسول لله صلى الله عليه وسلم طلب أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أصدقتها أربعمائة دينار، ثم سكب الدنانير بين يدي القوم، فتكلم خالد بن سعيد، فقال: الحمد الله أحمده وأستغفره، وأشهد أن لا أله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد: فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ودفع النجاشي الدنانير إلى خالد بن سعيد فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا فإن من سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا) [1] .

قالت أم حبيبة: (فلما وصل إلي المال أرسلت إلى أبرهة التي بشرتني فقلت لها: إني كنت أعطيتك ما أعطيتك يومئذ ولا مال بيدي وهذه خمسون دينارا فخذيها فاستعيني بها، فأخرجت إلي حقة فيها جميع ما أعطيتها فردّته إليّ وقالت: عزم عليّ الملك أن لا أرزأك شيئا وأنا التي أقوم على ثيابه ودهنه، وقد اتبعت دين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلمت لله، وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بكل ما عندهن من العطر. فلما كان الغد جاءتني بعود وورس وعنبر وزباد كثير، وقدمت بذلك كله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يراه عليّ وعندي فلا ينكر، ثم قالت أبرهة: فحاجتي إليك أن تقرئي رسول الله صلى الله عليه وسلم منّي السلام وتعلميه أني قد اتبعت دينه. قالت: ثم لطفت بي وكانت هي التي جهزتني وكانت كلما دخلت علي تقول: لا تنسي حاجتي إليك. قالت فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقرأته منها السلام، فقال:(وعليها السلام ورحمة الله وبركاته) [2] .

وأم حبيبة هي رملة بنت أبي سفيان زعيم مكة وقائد معسكر الشرك يومذاك، وزوجها هو عبيد الله بن جحش الأسدي، ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقصة أم حبيبة منذ كانت رملة بنت أبي سفيان وحتى أصبحت أم المؤمنين، ذات فصول كثيرة، وكلها مثيرة ..

فمن هذه الفصول إسلام عبيد الله بن جحش وإسلام زوجه معه .. وهكذا أصبحت رملة في طريق ووالدها في طريق آخر ..

ومن فصولها هجرتها مع زوجها إلى الحبشة، والتي أحدثت شرخا آخر في بيت أبي سفيان، فها هي ابنته تهجر مكة وتهجر أباها وتهاجر إلى بلاد بعيدة في سبيل دينها.

· ... وما أن تستقر رملة في الحبشة وترزق بطفلتها (حبيبة) حتى يتنصر زوجها ويحاول أن يردها عن دينها الإسلام وهو يقول لها: يا أم حبيبة، إني نظرت في الدين فلم أر دينا خيرا من النصرانية، وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، ثم رجعت إلى النصرانية.

فقلت: والله ما هو خير لك .. وأكبّ على الخمر حتى مات ..

فيم كانت الهجرة إذن، وفيم كان عذاب الاضطهاد ومحنة التشرد وأشجان الاغتراب، ومرارة التنكر للآباء والأجداد، وهذا هو يصبأ عن الإسلام الذي من أجله احتملت رملة كل ذلك، ورضيت أن تذيق أباها القهر والحسرة .. ؟

واعتزلت رملة الناس شاعرة بالخزي لفعلة الرجل الذي كان لها زوجا ولا يزال لطفلتها أبا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت