ويدل على ذلك: أنَّ تقدمَ الحظرِ كان يقتضي الكف عن ذلك الفِعْلِ المحظورِ، فإذا جاءَ لفظُ الاستدعاءِ، وهو صالحٌ لإِزالةِ ذلك الحظرِ، والإذن والإطلاق في فعلِهِ، وجَبَ أن يُحملَ على ما صَلَح له، كما لو استأذنَ الأدنى الأعلى، هل أفْعَلُ كذا؟ فقال له: افعل، كان تقدمُ الاستئذان منه جاعلًا لقول الأعلى له إذنًا، وإطلاقًا لا أمرًا موجِبًا، ولا ندبًا، ولا يُوجِبُ وقفًا، كذلكَ تقدّمُ الحظرِ، بل الحظرُ آكدُ، لأنَ الاستئذانَ يترددُ بين المنعِ وبين الِإطلاقِ، والحظرُ يقتضي المنعَ بأصلِ وضعهِ، ويدل على ذلك في حق من قال: إنَ الأعيانَ في الأصلِ على الإِباحةِ، جعل الأفعالَ على الإِباحةِ، فإذا ورَدَ الأمرُ بعد الحَظْر، ارتفِع الحَظْرُ، وعاد إلى الأصلِ، ويَدُل عليه أنَّ تقدمَ الحَظْرِ أو مقارنته لصيغةِ الأمرِ ولفظةِ: (افعل) يخرجُها عن وضعها، بدليلِ التهديدِ، فإنَّه بصيغةِ الأمرِ، لكن لما تقدَّمه الحظرُ أو قارنَهُ الزجرُ جعلهُ موضوعًا آخر. وهو التهديدُ، وقد كان مع التجردِ والإِطلاقِ يقتضي الإذنَ والإِباحة، مثل قوله: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] وبعضهُ يقتضي الإيجابَ، مثلُ قولِه: {واستفزز من استطعت منهم بصوتِك} [الاسراء: 64] ، فَعُلِمَ أن تقديمَ الحظر مؤثرٌ.
فصل
يجمعُ الأسئلة
قالوا: إذا حظَرَ ثم أمرَ، جازَ أن يكونَ الحظرُ منسوخًا بالإباحةِ، ويجوز أن يكونَ بالندب، ويجوزُ أن يكونَ بالإيجاب، وليس حملُه على أحدِها دون الآخرِ أَولى من العكسِ من ذلك، فبَقيْنا لفظة الأمرِ على مقتضاها، وأسقطنا المتردِّداتِ.