فهرس الكتاب
وإذا ما انتقلنا إلى الصاغة والمشتغلين بصناعة المعادن الثمينة كالذهب والفضة، فإننا نَجِدُ لهم حضورًا واضحًا في الشعر الجاهلي، وأبرز ما يطالعنا من موادهم التي استخدموها في صناعاتهم الذهب والفضة والياقوت والزبرجد وغيرها من الأحجار الكريمة، وأكثر ما صاغوا منها القروط والأساور والخواتم والدماليج والخلاخيل والقلائد [1] ،"وقد عثرت شركة التعدين السعودية العربية في أثناء بحثها عن الذهب على أدوات استعملها الأولون قبل الإسلام في استخراج الذهب واستخلاصه من شوائبه مثل: رحى وأدوات تنظيف ومدقات ومصابيح، وشاهدت آثار القوم في حفر العروق التي تُكوّن الذهب" [2] ، ويبدو أن يثرب كانت من أبرز مراكز الصاغة في الجزيرة العربية، ولا ريب أن وجود اليهود فيها كان عاملًا أساسيًا في شهرتها لما لهم من اهتمام بهذا اللون من الصناعة، يقول هدبة بن الخشرم [3] :
عليهن من صُنْعِ المَدينَةِ حِلْيَةٌ ... جُمَانٌ كأعْنَاقِ الدَّبا وَرَفَارفُ
وقال عمرو بن كلثوم في هجائه النعمان بن المنذر معرضًا بأمه سلمى بنت وائل بن عطية اليهودي [4] :
لحا الله أدْنَانا إلى اللُّؤم زُلْفَةً ... وألأمنَا خالًا وأعجزنا أبا
وأَجْدَرنا أن يَنْفُخَ الكيرَ خَالُهُ ... يَصُوغُ القُروطَ والشُّنُوفَ بيثربا
وكانت المرأة تعمد إلى التّزَيُّنِ بالمصوغات المختلفة استجابة لما فُطِرن عليه من حُبِّ الزينة. قال تعالى: (أومَن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين) [5] ، هذا من جانب، ولتظفر بإعجاب الرجل من جانب آخر، يقول حاتم الطائي في زينة محبوبته [6] :
تهادى، عليها حَلْيُها، ذاتُ بَهْجَةٍ ... وكشحًا كطيِّ السَّابريةٍ أهضما
ونحرًا كفا ثور اللُّجَيْنِ يَزينُهُ ... توقّد ياقوت، وشذرًا مُنظّما
كجمر الغَضا هَبَّتْ له بعد هَجْعَةٍ ... من الليلٍ أرواحُ الصّبا فتنسما
(1) . انظر، ابن سيدة، المخصص43: 4 - 50.
(2) . جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام193: 1.
(3) . شعره128.
(4) . الأصفهاني، الأغاني11: 20.
(5) . الزخرف18.
(6) . ديوانه 234.