أما من قام بها فقد قام مقام الأنبياء، كما قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه -بعد موت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قام بها في حروب الردة، وأيضًا قام بها الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه، ومما أثر في هذا أنه قيل: ''قام أبو بكر في يوم الردة، وقام أحمد بن حنبل في يوم المحنة'' .
هذا مقام الأنبياء أنهم صدعوا وجهروا وقالوا كلمة الحق، كما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله } ، {وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب } .
وفرق بين من يعبد الله على جهل أو يفتي بجهل، وبين من يعبده بالعلم أو يفتي بالعلم، وهذا من خير ما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لا حسد إلا في اثنتين -أي لا غبطة-: رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها... } والحكمة لا تكون إلا على علم، وكذلك البصيرة لا تكون إلا على علم.
انظروا إلى الرجل الذي ذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قصته في التوبة، وكلنا محتاجون إلى التوبة.
هذا الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا, مائة إلا واحدًا، قتلهم ظلمًا وعدوانًا، فذهب وأراد أن يتوب فقيل له: هذا فلان فدل على عابد جاهل، عابد ترك الدنيا، وترك الشهوات، وانقطع عن الخلق في صومعة للعبادة، ولكنه جاهل لا يعرف الحق ولا يفتي ولا يقضي به، فذهب إليه وقال: قتلت مائة إلا واحدًا هل لي من توبة؟
فاستعظم ذلك!! مائة نفس إلا واحدةً! فقال العابد: لا أجد لك توبة.
فقال: إذًا ما فائدة الحياة، فأكمل به المائة.
الفتوى الجاهلة أدت إلى تقنيطه من رحمة الله، وأيضًا أدت إلى قتل هذا المفتي بغير علم، فأكمل به المائة.
ثم دل على عالم فذهب إليه, وقال: قد قتلت مائة نفس، فهل لي من توبة؟
قال العالم: ومن الذي يمنعك من التوبة.