فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 65

ثم إنَّ النار التي في القبر والخضرة ليست من نار الدنيا ولا من زروع الدنيا ، فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخضرها ، وإنَّما هي من نار الآخرة وخضرها وهي أشدُّ من نار الدنيا ، فلا يحس به أهل الدنيا ، فإنَّ الله سبحانه يحمي عليه ذلك التراب والحجارة التي عليه حتى يكون أعظم حرًا من جمر الدنيا ، ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بذلك ، بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفنان أحدهما إلى جنب الآخر ، وهذا في حفرة من حفر النار لا يصل حرها إلى جاره ، وذلك في روضة من رياض الجنة لا يصل روحها ونعيمها إلى جاره.

وقدرة الرب تعالى أوسع وأعجب من ذلك ، وقد أرانا الله من آيات قدرته في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك بكثير ، ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علمًا إلا من وفقه الله وعصمه.

فيُفرش للكافر لوحان من نار فيشتعل عليه قبره بهما كما يشتعل التنور ، فإذا شاء الله سبحانه أن يطلع على ذلك بعض عبيده أطلعه وغيَّبه عن غيره ، إذ لو أطلع العباد كلهم لزالت كلمة التكليف ، والإيمان بالغيب ، ولما تدافن الناس ، كما روى أنس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع" (1) ولمَّا كانت هذه الحكمة منفية في حق البهائم سمعت ذلك وأدركته كما حادت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - بغلته وكادت تلقيه لما مر بمن يعذب في قبره .

(1) أخرجه مسلم (2867) ك الجنة وصفة نعيمها وأهلها ، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت