فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 65

فلم يفت عذاب البرزخ ونعيمه هذه الأجزاء التي صارت في هذه الحال ، حتى لو علق على رؤوس الأشجار في مهاب الريح لأصاب جسده من عذاب البرزخ حظه ونصيبه ، ولو دفن الرجل الصالح في آتون من النار لأصاب جسده من نعيم البرزخ وروحه نصيبه وحظه ، فيجعل الله النار على هذا بردًا وسلامًا ، والهواء على ذلك نارًا وسمومًا ، فعناصر العالم وموادها منقادة لربها وفاطرها وخالقها يصرفها كيف يشاء ، ولا يستعصي عليه منها شئ أراده ، بل هي طوع مشيئته مذللة منقادة لقدرته ، ومن أنكر هذا فقد جحد رب العالمين ، وكفر به ، وأنكر ربوبيته.

والله سبحانه جعل أمر الآخرة وما كان متصلا بها غيبًا ، وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار ، وذلك من كمال حكمته ، وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم ، فأول ذلك أن الملائكة تنزل على المحتضر وتجلس قريبا منه ويشاهدهم عيانا ، ويتحدثون عنده ومعهم الأكفان والحنوط إمَّا من الجنة وإمَّا من النار ، ويؤمِّنون على دعاء الحاضرين بالخير والشر ، وقد يسلمون على المحتضر ويرد عليهم تارة بلفظه ، وتارة بإشارته ، وتارة بقلبه حيث لا يتمكن من نطق ولا إشارة.

وكيف يستنكر من يعرف الله سبحانه ، ويقر بقدرته ، أن يحدث حوادث يصرف عنها أبصار بعض خلقه حكمةً منه ورحمةً بهم ، لأنَّهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها ، والعبد أضعف بصرًا وسمعًا من أن يثبت لمشاهدة عذاب القبر ، وكثيرًا ممن أشهده الله ذلك صعق ، وغشي عليه ، ولم ينتفع بالعيش زمنا ، وبعضهم كشف قناع قلبه فمات ، فكيف ينكر في الحكمة الإلهية إسبال غطاء يحول بين المكلفين وبين مشاهدة ذلك حتى إذا كشف الغطاء رأوه وشاهدوه عيانًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت