فهرس الكتاب
هاأنا أسترجع الزمن، للمرّة الألف وأكثر، وأهرب من نفسي لأعود إليها، وأتساءل: هل كنت أحب أحمد حقًا؟ أم أن أمرًا آخر تسلّط على عقلي وقلبي؟ هل هي الحاجة إلى الحب؟ أم أنه الهروب من مشاعر الفشل إثر طلاقي الذي شغلني طويلًا؟ وأعود للتساؤلات من جديد، لماذا حدث كل ذلك؟ وتتكرّر الإجابات المتشابهة، كان علي ذلك، هكذا لأسباب مجهولة، أو ربما أعمق ممّا يقال، وأقوى ممّا يحسّ، وأكبر ممّا يعاش، مشاعر لا تفسير لها، لا توصف أو تترجم، وتبقى بعيدة عن التخطيط، وغير خاضعة للدراسة، تشبه الاستسلام للمشيئة والقدر، وتغلق كل ثغرة قد تسرّب الشك، أو تبعد اليقين، هكذا يصبح الآخر أثمن شيء، مهما اختلفت الظروف، وكيفما كانت التوقّعات، وأينما كان المصير.
يوم ارتبطت بزواج ثان، كان أحمد قد أصبح أبًا، وكان كعهدي به جميلًا ورائعًا، خاصة وهو يقتحم عالمي الجديد، ويفرض وجوده، وكأنه معنيّ بي وبأموري، واستطعت تفسير بهجتي، وأنا أفتقد وجود رجل في عائلتي، وتيقّنت بأنه القوة التي احتجت إليها باستمرار، وكنت ذلك اليوم أشعر بارتباط أقوى وأهم، وكأننا نعيش معًا منذ الطفولة، وكنت بيني وبين نفسي، اكتشف علاقتنا التي أرادها أسمى من كل العلاقات، واكتشفت أيضًا بأن الصداقة التي تجمعنا أكثر نبلًا وصدقًا، وأننا نعيش حالة مختلفة لها علاقة بالحب الذي لا يموت.
(حمدو) يولد من جديد
هاهو يلتقط الصور. البحر الممتد بسكون. الشاطئ بزبده الخفيف ورمله المبعثر. الناس. الأطفال. الأجساد المنتشرة. بعضهم يبحث عن دفء الشمس. بعض آخر يلاعب الماء، وبعض يعبر الشاطئ جيئة وذهابًا، عداه هو. انقبض. إنه لا يعرف الهدوء. لا يعرف الراحة. بأعماقه الأسرار والقلق. تأفّف. كان على يقين من مشاعر الاضطهاد التي تعبث به، والتي راحت تتنامى مع الأيام، وذلك منذ الأسبوع الأول لزواجه من سلمى.