فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 55

تأفّف ثانية وهو يراقب سلمى المنشغلة بطفلها حمدو. اللعنة على هذا الطفل. حمدو لا يتعدّى السادسة من العمر، لكنه يأخذ تفكيرها ووقتها، وحمدو هذا ليس ابنه، ولا تربطه به عاطفة، لا يشتاق لمحادثته أو الاستماع إلى ثرثراته، أو الاستجابة إلى طلباته. لكنه مضطر للعيش معه. يجمعهما بيت واحد. سقف واحد. يستيقظ فيراه. يتحرّك فيراه. يجده كيفما التفت. في غرفة النوم أو الجلوس. حين يأكل أو يشرب. حين يخرج إلى العمل، أو يعود منه. إنه كابوس حياته. لكنه طفل سلمى المدلّل وحبها. هو محور حياتها واستمرارها. تحضنه.. تلاعبه. تهتم بلعبه وأشيائه. تنام على صورته. تهدهد له. تغني. تستيقظ على نداءاته. تهرع لعناقه. تعلن شوقها إليه وحبها الكبير. هو سبب بقائها وسعادتها وحلم حياتها.

يوم جمعه الزواج بها قبل ثلاث سنوات. اشترطت الاحتفاظ بطفلها الذي مات أبوه وتركه يتيمًا، فقد نذرت نفسها لتربيته، وتعويضه بالحب، والحنان، لتبعد عن عينيه دموع الألم والشقاء. كانت صبية جميلة. زادها الحزن بريقًا، وكان هو يحلم بها كزوجة، فاستسهل كل ما يعيق هذا الزواج. كان الوصول إلى نقطة البداية أهم أمر في مشروعه الجديد، الذي وضعه نصب عينيه.

لم يكن تلك الأيام، يحسب لوجود طفل في حياته، أو أنه اعتقد باستقطاب مشاعر الأم شيئًا فشيئًا، ويومًا إثر يوم، فحلم بطفل ينجبه منها. يأخذ مكان صغيرها ويستأثر بعواطفها. غير أن الأيام أكّدت أن أحلامه بعيدة المنال. خاصة وهو يتلمّس تعلّقها الشديد بابنها، وشغفها به، وخوفها عليه، فتستمع إلى سخرية الزوج وهو يقارنها مع بقية الأمهات، وكأن الحياة لم تنجب سوى حمدو. لماذا لا تكون كالأخريات؟ أقل اهتمامًا وأقل لهفة؟ علّق أكثر من مرة على مرض يصيب بعض النساء، يوقعهنّ في دوامات الخوف والتهيؤات، فينقبض إذ تتجاهل الكلمات، ولا يهمّها ما قيل أو ما سيقال، أو ما يفعله غيرها. كانت منشغلة بابنها الجميل وانهماكه باللعب الخاصة بالبحر التي اشترتها له صباح اليوم، وانشغاله بها. فيصطنع الغوص أو العوم وعلى وجهه ابتسامة، أو يستقبل مزيدًا من أشعة شمس العصر الدافئة، وهو يستلقي بحنان، بينما تراقب كل حركة تصدر عنه، بقلب مزغرد بعيد عن مشاعر الزوج الذي راح يتمنّى اختفاء هذا الولد من حياته، لتتفرّغ سلمى له، وتغدق عليه الحب الذي تبعثره كيفما اتّفق، وتبعد نار الغيرة التي أضرمت في نفسه، وراحت تأكل تفكيره وتقض مضجعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت