فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 55

بدا البحر ساكنًا، وقد تفرّق على شاطئه صبية صغار، بعمر حمدو. كان هو بينهم بوجه أبيض مشوب بالحمرة، وبعينين صافيتين، يطلق الضحكات والأصوات، وكأنه معهم يصنعون عالمهم البريء والجميل، فتتحوّل سلمى إلى طفلة تحلم باللعب والمشاركة، وتنخرط مع الأجساد الصغيرة، وكأن العالم هو ما تمتلكه عيناها، ابنها وأحلامه الصغيرة. يكون زوجها في رحلة الضجر والاستياء، فهي تستمع إلى أصوات أعماقها وخفقات قلبها، وتصيغ من حبها عطاء لا متناهيًا، يشكّل حول ابنها مساحات من الدفء، وتحيك من عمق عينيها شبكة حب، تحيطه بها عن بعد كما عن قرب، لتستطيع ضمّه إلى صدرها لحظة تشاء.

لم يعد يطيق النظر إلى حمدو، أو الاستماع إلى شكواه، وهيئ إليه أنه يتحدّاه، أو ينصب له الاشراك، وكيف لا وهو يستأثر بحب سلمى واهتمامها؟ ويغتنم الفرص لينغّص عليه ما حلم به وخطّط له. هذا شيطان بجسد طفل. يجب أن يبعدها عنه. أن تكون له وحده. إنها زوجته التي يحبّها، ويغار عليها، ولا يرضى أن يأخذها منه أحد. لكنها بعيدة عنه وعن عالمه، منهمكة بابنها باستمرار. تلاحقه بعينين حنونتين، بينما هو يلاحق كل شيء بنظرات قلقة. شعر بالامتعاض. لم لا يغادرهما هذا الطفل؟ لم لا يرحل عنهما إلى أهل أبيه؟ أو جدّته؟ أو إلى أي مكان؟ يجب أن تتفرّغ سلمى لنفسها وله. أن يعيشا كزوجين متحابين. أن تصحو صباحًا لأجله. تحضر قهوة وحليبًا. يفطران معًا. يخطّطان. ماذا يأكلان. أو يلبسان؟ أو أين يتنزّهان؟ وعند عودته من عمله تكون له. تستمع إليه. إلى أحاديثه. لا أحد ينغّص عليهما مسيرة الحب والحياة.

كان المد والجذر يأخذانه بين الحلم والواقع. يبتسم تارة ويقطّب أخرى. يأخذ بكفه قبضة رمل ويذروها بعشوائية. هكذا مضى معظم النهار. تململ بنزق.. فكّر.. في كل الأحوال، لا بد من طريقة لإثبات وجوده كرجل وزوج، هذا حقّ له، وحق على سلمى التي لا بد لها من الاستسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت