فهرس الكتاب
في غمرة ما هو به، ومن خلال الخطط التي اعتقد بفشل بعضها ونجاح الأخرى، ومن خلال ما رسمه لتحقيق الهدف المنشود. توقّف عن التفكير. كان هنالك ما هو أقوى من همومه، فقد تبدّل ما حوله فجأة، تحوّل ما يراه إلى صور متقافزة تحمل الرعب والخوف. وللحال وجد نفسه ينهض وكأنه يولد للتو، فقد توقف عن التفكير، فشيء ما يهزّه في الأعماق. راح يهرول محاولًا استقطاب ما يحدث، ويستجلي أبعاد الصراخ الذي شقّ السكون، وسبّب الهلع في الجميع، وسلمى! أين سلمى؟! تراءت وسط الماء، بين جمع من الناس يحاولون الإمساك بها، فتتملّص من الأيدي لتندفع إلى حيث ابنها الذي كان يغيب ويظهر في دوامة ماء، تأخذه ضمن حلقة دائرية، بخطا واضحة نحو المجهول، وصوتها يخترق البحر والسماء والفضاء وكأنها تستنجد بالمستحيل.
اندفع بقوة. شيء يطالبه بفعل ما. شيء أكبر من كل التساؤلات. شيء لا إرادة له فيه جعله يشق جموع الناس، ويرمي نفسه في الماء متّجهًا نحو الطفل. هذا ما يذكره. لأنه لا يدرك بعد ذلك ما الذي حدث.
حين فتح عينيه. كان الصمت مطبقًا على الجميع، وكان حمدو يتنفّس بوجهه العائد من رحلة الموت، وكانت سلمى في ذهول. أما هو فقد بكى بغزارة، وقد أتاه شعور جميل. هكذا فجأة ودون أن يدري أيضًا، فحمدو يولد من جديد. يولد بين يديه. حمدو ابنه الذي ولد اليوم من أجله، ليكون هدية زواج يثمر للمرة الأولى.
أغرق عينيه في وجه سلمى، التي جثت بينهما؛ تمسحُ وجهه بيد، ووجه حمدو بيد ... كانت أجمل مما عرفها، وأكثر عطاء، وقد طاف في عينيها مزيد من الوفاء والحب. سرت في جسده قشعريرة.. أطبق عينيه على صورة عذبة الملامح وراح يبتسم.
لم نعد واحدًا
أعدت كلمة (أحبك) في أعماقي ألف مرة. كنت أدرك أنك تسمعها، ربما عبر لمسة يدي، أو نظرة عيني، أو ربما وأنا أطرق ريثما تلامس أصابعك خصلات شعري، المبعثرة حياء فوق جبيني وعلى كتفي. رفعت وجهي إليك. كان بيني وبينك مسافة تكفي لتحضن يدي بيدك التي سأحلم في أيام قادمة بلحظة ذكراها، أو بأمل عودتك وأمل الانتظار، فأنت ستعود حاملًا الحب والفرح، وتحملني على جناح الشوق، وألم الغربة، ذرة حب ووفاء.