فهرس الكتاب
حين أمسكت بيدي، تحوّلت ذرّات كياني إلى نبضة واحدة، خفقة واحدة. اختفت كل المعالم من حولي، ابتعدت السماء. الأرض. كنت أطير وأحلّق بعيدة عن كل شيء، فمعك أولد كل لحظة، وأنسى الزمن والتواقيت، وفواصل الأيام والساعات. معك أشعر بالذوبان والتحول إلى شيء مختلف. أشعر بالتميّز، قد أكون نسمة أو همسة، وأستطيع مغادرة كل شيء، أغادر جسدي لأسكن في عينيك، أو بين الكلمات أو النسمات، تنطق بي أو تستنشقني فأسكن رئتيك، أو تقبض علي وتذيبني في مساماتك، وأصبح جزءًا منك، خلية أو نبضة أو قطرة حياة.
لم يأخذ حبنا صفة الاعتراف، كنا نترجمه في اللهفة والانتظار، ولأن ملامح الشباب بدت علينا، أخذت اللقاءات صفة المواعيد، عبر الدراسة والتخطيط، فيأتي الموعد الآخر مع اللقاء، في الغد أو بعده، على الطريق المؤدية إلى النبع، أو قرب شجرة التين، كنا نكتفي باختطاف نظرة، أو كلمة، أو لمسة عابرة، لم نكن موضع شك لأننا كبرنا معًا، وسرنا في طرقات القرية معًا، غير أن اكتشافنا لعواطفنا، جعلنا نحسب للحركة والنأمة، وبتنا في ترقّب لكل جديد.
تمتمت (جميلة أنت يا هند) كان جسدي يرتجف حين عانقتني. كانت دمعتي تسقط. لملمتها بأصابعك. سمعت تنهيدتك التي أعقبتها بكلمة (سأعود) .
كنت موقنة بذلك، لأنني أحمل مشاعر، أستطيع بها انتظارك عشرات السنين، وكنتَ أنا الذي يسكن أعماقي، وكنتُ أستطيع تلمّس وجودي في أعماقك، من خلال وجودك معي وفي قلبي.
بدا كل شيء جميلًا، لحظات الغروب بألوانه المبعثرة، السماء بغيومها المتفرّقة، أشجار التين والعنب واللوز، الحصى عبر خط النهر الذي يستعمل طريقًا حين يجفّ، والذي يفصل القرية في الشتاء، فتنقسم مشكّلة على الضفّتين خطّين متعرّجين جميلين، يصبحان مرتعًا للأطفال، فيتراشقون الماء أو الحصى، أو يتقاذفون النكات أو الشتائم، عبر هرج طفولي، ويتجاهلون النداءات، فقد شارفت الشمس على المغيب، أو هجمت العتمة على المكان، أما الطيور فباتت في أعشاشها، العصافير وأفراخ الحمام، وقد يعود (ابن آوى) نهمًا كما وصفه أحد رجال القرية، تختفي القطط في مخابئها، بينما يتصاعد نباح الكلاب.
جميلة قريتنا، أكّدت على تعليقي قائلًا:
ـ أحلم أن تصبح أجمل!
كنت أنظر بعينيك وأنت تتابع:
ـ حين نحبها تصبح أجمل، نعود إليها، نبني بيوتًا، نعيش في ربوعها، نحن أبناءَها نبنيها من جديد.