فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 55

ضحكت من أعماقي، تخيّلت القرية وقد تحوّلت إلى مدينة كبيرة، توسّعت الشوارع، علت الأبنية، تزاحمت السيارات والناس، وارتاد الأطفال الحدائق، نسوا التراشق بالحصى، وراحوا يتبارون بركوب الأحصنة الخشبية، أو السيارات المبرمجة، التي حدّثنا عنها المولع بزيارة المدن، ولن يضطر الصغار للاستيقاظ باكرًا، والسير لمسافات طويلة نحو مدارسهم.

ـ جميل ما تقول!

ـ ألا تصدّقين؟

ـ بل أصدّق.

ـ هذا أجمل ما بك يا هند! وتابع؟

ـ هنالك أمور لن أنساها.. أبي الذي باع قطعة من أرضه، وأصرّ على متابعة تعليمي! وأنت يا هند.

لا أدري يومذاك لم سقطت دمعتي، هل لأن فرص التعليم لم تتح لنا نحن فتيات القرية، كما تتاح لشبّانها، أم لأنني في مواجهة حقيقية مع رحيل أحمد؟

رحل أحمد أخيرًا، وكأنني لم أستعدّ لفراقه، كأن الفكرة لم ترد قبلًا، لا أدري ما حدث لي، فقد سقطت في دوامة من الحزن والضياع، لم تعد الدمعة تفارق عيني، في حين يتحتّم عليّ الابتسام. هكذا أصبحت اثنتين، أنا التي تبدو للعيون، وأنا الأخرى التي تحتضن أحمد وتضمه بين جوانحها. كان يكفيني سؤال عابر عن أحوالي، لأغرق في البكاء، هكذا ببساطة طفل أضاع أشياءه، ويتحتّم عليّ خلق الأسباب الوجيهة، ليرتد درب الدموع ويصبح نارًا في الأعماق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت