فهرس الكتاب
هذّبني رحيل أحمد، أصبحت هادئة، رقيقة، وساهمة في أكثر الأوقات، أكثرت من ارتياد الأماكن التي شهدت لقاءاتنا. أراقب جذع شجرة لامسها بيده ذات مرة، أو جدار استند إليه، أو طريق عبرها عشرات المرات، فتعود أيام الطفولة إلى الذاكرة، حين كنا صغارًا، وأستغرب كيف يعرف الأطفال الحب، لم يكن عمرنا يشكّل استفهامًا لأحد، أو تساؤلًا. لكننا كنا ندرك أننا متفاهمان حول شيء ما، لم نكن ندري ما هو. كنا متّفقان على الحب بطريقتنا، نحب اللعب على ضفاف النهر، أو مراقبة طيور السماء، أو الغيوم، نحب شروق الشمس ومراقبة الشجر الأخضر، أو نعلن كرهًا لأشياء لها علاقة بابتعادنا، كالليل والنوم، نكره مواعيد العودة إلى البيت، أو ما يبعدنا عن اللعب، واكتشفنا شيئًا فشيئًا أننا نكره الابتعاد عن بعضنا، ونعتبر ذلك نوعًا من قمع أراده الأهل، وشكّل لنا مع الأيام فراقًا قسريًا أطاح بأحلامنا الطفولية العذبة، وعلينا بذكاء ودراسة وتخطيط، خلق الأجواء التي تسمح لنا باللقاءات التي هي جزء من مراحل العمر الجميل، الذي بدأت آثاره تتوضّح في ملامحنا، لنكتشف أننا لم نعد صغارًا، وأننا كبرنا، وأن ما جمعنا طويلًا هو الحب الذي أقسمنا ذات عصر أن نرعاه ونحافظ عليه، حتى آخر العمر.