فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 55

كان جادًّا وكانت مخاوفي تكبر. الليل يشتد ظلمة، والرهبة في كل شيء، في الحاضر، وفي المجهول القادم. وخلال تلك المشاعر التي انتابتني، لم أستطع إقناعه بفكرة المساعدة، أصرّ هو على البقاء، وأصررت على المساعدة، وانتهى الأمر بقرار أخير، عليّ المغادرة. عليّ أن أتركه لمصيره. سأتركه. سأبتعد. لم أر، ولم أسمع. سأنسى هذا المساء، وأتجاهل أفياء الشجر، وعطر التفاح والليمون، وهذا الرجل، وقصّته التي قد تكون حقيقة لا خيالًا، فقد يموت هو الآخر، وقد أتّهم بقتله أو بقتل الاثنين، وكنت خلال ذلك أراقب الطريق العام، والنافذة الوحيدة التي ينبعث منها ضوء خافت. حين قرّرت عدم البقاء. لم أكن قاسيًا. كنت في خوف وارتباك. فقلت بطريقة لا تخلو من الجدية:

ـ لا أستطيع.. سأغادر.

نظر إليّ بسرية. كان قد استردّ قواه بعض الشيء. مسح بكلتا كفيه بقايا الدم الذي بدأ يجف. كان هذا أكثر ما أستطيع فعله، فلن أخبر عنه أو أشكوه، شعرت ببعض الراحة، وفي كل الأحوال، برّرت لنفسي وأنا أحيك الأفكار. يجب الهروب، وعدم التيقن مما سمعت أو فيما رأيت، وأني أحلم، وقد أستيقظ على الحقيقة. وقد.. وقد.. وقد.

قبل أن أترك لساقي فرص الجري إلى خارج المكان، سمعت أصداء حركة تقترب. التفتّ بوجل. كانت العتمة تلك اللحظة تشتد، والصوت يغيب ويعود، ولفحة من برد تتسلل إلى جنباتي، حين تيقنت أن كائنًا ما يشاركنا المكان. تصاعدت نبضات قلبي، وقبل أن أسترد قواي وأنفّذ قرار الهروب، كان الشيء يقترب وملامحه تتوضّح، هيكل يتحرّك بين الأشجار. أحسست بالخوف، وبثقل جسدي وبساقي المرتبطتين بالأرض، وكأنني في لحظة أجهل اسمي وعمري ومن أنا، أو أنني رهن مجهول قادم، وكانت الصورة خلال ذلك تتوضّح أكثر، والصوت يتجلّى، لأستطيع شيئًا فشيئًا رسم ملامح رجل. يقتلع قدميه بصعوبة وهو يتجه نحونا، ليقف فجأة بكل تخاذله ووجعه، وينقل نظراته بيني وبين الرجل الممدّد على الأرض.

راعني للحال وجه الشبه بين الرجلين، وكأنني أراهما واحدًا، أو هذا ما هيئ إلي. الوجهان الشاحبان، العينان المسكونتان بالعرب، الدم، الإعياء، ال... نسيت تلك اللحظة كل ما سمعته وشاهدته وكأنني أرى المشهد يتجدّد. صرخت:

ـ وأنت.. ألا تريد طبيبًا؟

تساقط جسده. كان هو الآخر يجيبني بصعوبة متمتمًا:

ـ لا.

ـ ستموت أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت