فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 55

كان المساء يقترب، وثمة ضوء منبعث من نافذة بعيدة، وبقايا ظلال تنتشر فوق مفترق الطريق البعيد. نظرت إلى الساعة أكثر من مرة. ونظر هو إليّ أكثر من مرة، كان النزف قد توقف. لا أدري لماذا خفت، وكأنه أحس بما يشغلني، فتمتم برجاء قائلًا:

ـ لم أكن أنوي قتله، لكنه أراد قتلي.

كان الظلام يتسلّل شيئًا فشيئًا، والهدوء يحطّ في المكان، عدا صوت خفقات قلبي، وأنين الرجل الممدّد أرضًا، وصدى آخر الكلمات. ما الذي سأفعله بحق السماء؟ ما الذي باستطاعتي القيام به؟ من هو؟ ومن الآخر؟ وهل ما أسمعه حقيقة أم وهمًا؟ هل أحاديث القتل والموت بهذه البساطة؟وهل فعلها أمران عابران؟ هل.. وهل.. وهل؟ وجدت نفسي أركع. أمد ذراعي إليه. أقول بتوسّل:

ـ ربما لم يمت؟

وببؤس قال:

ـ وربما مات.

دبت قشعريرة في جسدي، فصرخت:

ـ لماذا؟

تململ، وقد افترّت شفتاه عن ابتسامة باهتة، وراح يتمتم بصعوبة قائلًا:

ـ لقد زورّ توقيعي. أنا لم أبعه أرضي. إنه كاذب.

تمدّد فوق الأرض ببطء شديد، فبدا أكثر استسلامًا وحزنًا، وتابع:

ـ اعتقدت أنه يمازحني أو أنه قد جن، وحين استنكرت واتّهمته، هاجمني بقبضة يده. شعرت بألم في رأسي، ورأيت الدم يتنافر أمام عينيّ وفوق ثيابي، أبعدته بكل ما أوتيت من عزم.

ـ ثم ماذا؟

ـ لا أعلم ما الذي حصل. كل ما أعرفه أنني لم أتركه إلى أن سقط أرضًا.

صمت الرجل قليلًا، أو راعه الخوف والذهول اللذان حلاّ بي، وكنت أحملق بوجهه المدمّى وعينيه الجاحظتين، وكأنه استشفّ استنكاري. تأوّه وقد سالت دمعته، وراح يجمّع الحروف ويتابع:

ـ لا أعلم كيف حصل هذا؟ فقد تملّكني إحساس بأنني أخسر كل شيء دفعة واحدة.

بين الصمت الذي أطبق، ومشاعر التأثر التي داهمتني. قلت باستسلام:

ـ ماذا تريديني أن أفعل؟ هل تذهب للطبيب أم أحضره إلى هنا؟

ارتبك وأشار إلى عدم رغبته بشيء، وتابع قائلًا:

ـ لا تتركني.. ساعات وأستعيد قواي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت