فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 55

بينما أبو محمود وزملاؤه يتابعون أبو يوسف بنظراتهم. كان هذا يبتعد بخطواته المتناسقة، مارًا بسوق الصاغة. لم يتوقف هذه المرة أمام الواجهات، ولم يعقد المقارنات بين الأطواق المتدلّية بخبث وبين ما في جيوبه. كان يفكّر بأبنائه الصغار وهو يعد القروش التي بحوزته ويتساءل إن كانت تكفي لشراء ربطة خبز لهذا المساء.

النافذة الوحيدة

كاد قلبي يسقط هلعًا وأنا أراه. رجل واهن الخطا، بوجه غطّته الجروح والكدمات، وعينين سكنهما الرعب والخوف. كان يتلمّس طريقه بين الأشجار، ويقتلع قدميه من الأرض بصعوبة.

قبل أن أسأله شيئًا تساقط جسده فوق الأرض. أغمض عينيه وهو يتمتم بحروف لم أفهم منها شيئًا. أسرعت محاولًا رفعه ومساعدته. بدا ثقيل الوزن أكثر مما اعتقدت، وكنت أتلفت حولي علّي أهتدي إلى من يساعدني في إسعافه.

الشمس تميل إلى الغروب، وبقايا أشعة برتقالية تتسلّل بين أغصان الشجر. لا أدري كيف تنشّقت رائحة التفاح والليمون. تذكّرت بيت جدي الذي كان ينهض وسط بستان جميل، كان لبستان جدي تلك الرائحة، وكم سال لعابنا ونحن نقطف من فاكهته. كان طعم الفاكهة آنذاك مختلفًا، ولرائحتها عبق البخور.

تململ الرجل وأصدر أنينًا خافتًا، غيّرت وضع ذراعي من تحت إبطه إلى الخصر. بدأت ألهث، فالرجل طويل القامة عريض الكتفين، ولا أدري وأنا في حالة رعب كهذه، كيف حسبت وزنه واعتبرته يفيض عن اللازم والضروري، وكنت أفكّر بنقله إلى الطريق العام، علّي أوفق بسيارة تقلّنا إلى أقرب طبيب حين هاجمتني الأفكار.

من هو؟ وما الذي حدث معه؟ هل يكون ملاحقًا؟ أم لصًّا؟ هل وهل وهل؟ اللعنة على هذه الأفكار. أو لست أشابهه في أكثر من شيء؟ ألم آت إلى هنا بقصد الترويح عن النفس؟ ألم تقل جدتي إن لرائحة الفاكهة فعل الدواء؟ وإن التنزّه في أفياء الشجر يمنح الجسد صلابة وقوة؟ فكّرت وقد شعرت بالإعياء، عليّ المغادرة للحال وإعلام جهة ما بأمر هذا الرجل. مشفى أو رجال أمن أو إسعاف.

حدث هذا في دقائق قليلة، منذ لحظة مشاهدته إلى اللحظة التي حاولت فيها إسناده إلى جذع شجرة، وكأنه شعر بما أنوي فعله ليستمد القوة فجأة ويشدّني من يدي، وأواجه وجهه الذي ازداد شحوبًا بينما افترّت شفتاه عن بضع كلمات فهمت منها: لا تتركني أني خائف.

ـ لكنك تحتاج إلى علاج سريع.

أشار بجدية أن (لا) .

ـ ستموت.

سقطت دمعته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت