فهرس الكتاب
وجدها على أحسن حال. قال هذا وضحك. لكن! صدّقوا، فكل شيء منظّم. نعم. نعم. الأرصفة هناك عريضة ونظيفة. الشوارع واسعة والحركة مثل الساعة. لا مخالفات في شيء، لا في السير ولا للقانون، يا سلام يا ناس! السيارات ماشية كالغنم. كالنسمة. لا تزمير ولا تشفيط، وكل شيء تمام التمام. كل شيء عال العال. لا تتغامزوا يا شباب. نعم ولا تستغربوا. (ما حدا خالف إلا أبو يوسف) نعم. نعم. وحده أبو يوسف تعدّى وخالف وشغل الأرصفة. لا تقولوا لماذا يضحك أبو يوسف؟ ضرب كفًّا بكف، لقد نال صندوقه عقابًا وقبض عليه بالجرم المشهود وأحضر موجودًا.
ـ الأرصفة للناس يا أبو يوسف، لا لصناديق البويا.
لم يجب.. هز رأسه مبتسمًا، بينما قال أحدهم:
ـ اشكر ربك، ما خلصت الدنيا من الأوادم.
وافق أبو يوسف على الملاحظة، فهو لم يصبح عاطلًا عن العمل تمامًا، فقد عقد اتّفاقًا مع رفاق مهنته، ففي أوقات الراحة يستعير صندوق أحدهم. يستبدل علب البويا الموجودة فيه بعلبه هو، وهكذا يتناوب العمل مع زميله الذي منحه فرص الاستمرار.
ـ احك في المهم يا أبو يوسف.
هذا صحيح. المهم وبعد أن صودر الصندوق أصبح بحكم المحجوز عليه، وأحيل إلى البلدية لتعيين يوم وتاريخ للمراجعة ولملاحقة التطوّرات، ولإفراج سريع.
يضحك إذ يتذكّر موظفي البلدية، فقد سرد حكايته أمامهم عشرات المرّات، منذ مجيء الشرطة إلى لحظة اعتقال الصندوق، وكانوا يتجمعون حوله في كل مرّة. يتضاحكون أو يكثرون من الأسئلة، وكأنه يسردها للمرّة الأولى، هل كان عليه وصف كل شيء؟ الرصيف الضيق وصندوق البويا والناس والشرطة، وما الذي حدث وكيف حدث ومتى وكيف ألف مرة ليستوعبوا قصته جيدًا؟ اللعنة على الفقر الذي أوصله إلى ما هو عليه. ماذا يفعل؟ هل يسرق أو يموت أو يذهب للسجن؟ ولم تنتشله من الضحك دموعه التي انهمرت، فلكي يستعيد صندوقه تترتب عليه غرامة أذهله رقمها.
ـ وهل ستسدّدها؟
لن يفعل، فبقيمتها يستطيع شراء صندوق أكبر من صندوقه وأكثر جودة، مطليًا بمواد ذهبية اللون، له منافذ لوضع العلب ومساند للفراشي، ومقبض جلدي يساعده على الحمل ولسوف يختال به كالأمراء.