فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 55

ربَّما كانت المرة العاشرة أو أكثر التي يسرد قصته في سوق النجارين، فصندوقه صغير لا يتعدى طوله (الشبرين) وعرضه كارتفاعه يقارب (الشبر الواحد) ، ولهذا الصندوق أفضال لا تحصى، أهمها تأمين دخل يسد به مصاريف البيت ويقيه شر الحاجة.

كان الوقت صباحًا، وكانوا أربعة عناصر من رجال الشرطة. يبدون في عمر واحد. تنضح وجوههم نضارة وجرأة. رآهم يعبرون الشارع باتجاهه. كانت تعابيرهم تتوضّح شيئًا فشيئًا. لم يَخَفْ من وجوههم المتجّهمة، فلكل عمل خصوصياته، قال هذا في نفسه وأطرق يعاين أحذيتهم واحدًا واحدًا، وإذا بصوت يصرخ به أن ينهض. لا يذكر كيف نهض عن كرسيه الصغير. يذكر ارتخاء ساقيه وكأنه أحد المطلوبين للعدالة.

ـ احك.. احك يا أبو يوسف.

ضحك أبو يوسف ضحكته المعتادة. قال: نعم.. نعم. لم تكن الشرطة آنذاك تلاحق مجرمًا، ولم تكن تلاحقه هو، فالشرطة تلاحق صندوقه الجميل، وتتّهمه وتعتقله وتذهب به إلى حيث لا يدري.

ـ كيف لا تدري يا أبو يوسف؟

ـ أدري.. أدري.

ـ وما التهمة يا أبو يوسف؟

راح يتمشى بينهم واحدًا واحدًا، مصدرًا إيقاعًا يتناسب مع الكلمات وكأنه يغني لها مردّدًا: (إشغال رصيف. إشغال رصيف) وبين تصفيق الشباب الذين شكّلوا حوله حلقة، وردّدوا وراءه الكلمات. توقف فجأة محاولًا استقطاب تفكير كل واحد منهم وقال:

(صندوق أبو يوسف يشغل الرصيف) نعم. أمَّا (طبليات السمسمية والفستقية وطبليات السجائر والثياب التحتانية) وغيرها وغيرها، فلا تشغل الرصيف.

توقف أبو محمود وزملاؤه عن المزاح وهم يلاحظون الأسى في عينيّ أبي يوسف، لكنهم لم يتوقفوا عن الثرثرة، فتابع أحدهم قائلًا:

ـ لا تحزن يا أبو يوسف. احك في المهم.

بدت على أبي يوسف ملامح النشوة وهو يمسح الوجوه بنظرة سريعة، فقد ازدادت معرفته منذ أن صودر صندوقه، وتوضحت له أمور كان يجهلها، أو لم تعر انتباهه في السابق. لا تستغرب يا أبو محمود. (عيش كتير بتشوف كتير) وهذا ما حصل معه، فلأول مرة يكتشف أن للشرطة علاقة بالأرصفة أيضًا. يا سلام يا شباب. لقد تعلّم أشياء وحفظ أشياء، لولا صندوق البويا لما عرف كل هذا. أصبح باستطاعته الوصول إلى مقر البلدية وهو مغمض العينين. ذاهب إليها أو راجع منها. شوارع وطرقات لم يعرفها في السابق. محظوظ من يرى العالم ويكتشف ما يدور في بقاع الأرض. لا تضحك يا أبو محمود. الدنيا ليست صاغة ونجارة فقط، أو صناديق بويا وكراسي وأحذية.

ـ كيف وجدت الدنيا يا أبو يوسف؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت