فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 55

انقبض أبو يوسف فجأة، فصندوق البويا لا يفارق ذاكرته. ألقى نظرة على الكرسي الصغير الذي بين يديه، ونظرة نحو آخر الشارع. ابتسم بسخرية، فهو الآن في أكثر شوارع المدينة ثراء، وتجمع بالعابرين والمقيمين فيه حياة واحدة. نعم.. نعم، إنه الآن لا يختلف عن أصحاب هذه المتاجر، وإن امتلأت حوانيتهم بالذهب. لكنه شعر بغصّة وراح يحثّ الخطى من جديد.

في البداية لم يكن الذهب ليلفت انتباهه. كان شعوره الغريب يتنامى شيئًا فشيئًا، فالأطواق المرصّعة والأساور المنمّقة تتدلى بوقاحة فوق الرفوف. في الحقيقة لم يشغله ما بداخل تلك الحوانيت أو يفكّر بها، لولا ما كان يترتب عليه كل مساء، فالأولاد ينتظرون ربطة الخبز بفارغ الصبر. كانت المعادلة بين ثمن تلك الربطة، وبين الذهب القابع خلف الزجاج، يثير في نفسه الشجن.

عكف في طريقه نحو حي النجارين. هنا بين الحوانيت المتقاربة يحب المرور، ومع صديقه أبي محمود وبقية النجارين يحب الجلوس. كانت قرقعات الخشب تطغى على صوت حذائه المهترئ والذي تجره قدماه بصعوبة. لم يسمع ردًا على السلام الذي ألقاه. كرّر التحيّة، فهو على يقين من تشوّقهم إليه وإلى أحاديثه، وكعادتهم ينتظرون قدومه للاستماع إلى قصته التي حدثت قبل أيام، والتي يكرّر تفاصيلها دون ملل. قال ممتعضًا:

ـ قلنا مرحبًا يا شباب.

اصطنع الشباب المفاجأة، فحدث لغط وترحيب شديدان، وبدا التشوّق واضحًا لقدومه، وتتالت الأسئلة تباعًا، ما أخباره؟ ماذا حدث معه؟ ما تطوّرات قصّته؟ ماذا حصل لصندوق البويا؟ هل استعاده؟ هل مازال محجوزًا؟ هل وهل؟

وضع كرسيه جانبًا ولعن البويا وصندوق البويا، فالفرق بين عمله هو وعمل الآخرين أنهم مستقرّون في محلاتهم ولا يشغلون الأرصفة كما يفعل.

غمز أبو محمود بعينه لبقية الشباب، وهو يلتفت إلى أبي يوسف، وكأنه يستفزّه على الحديث قائلًا:

ـ عدنا للقصة من جديد؟

انتفض لائمًا، فهو لا يستطيع نسيان ما حدث. لماذا لا يفهم الجميع هذا؟ لقد صودرت كل أملاكه دفعة واحدة. صودر علمه وشهادته. أليس للطبيب شهادة ليعمل بها؟ وللمهندس أيضًا؟ وهل يستطيع الخبّاز أن يكون غير خبّاز؟ وأبو محمود نجّار ابن نجّار، وأبو يوسف صاحب مهنة ككل الناس، ومختص في البويا، وهاهو يقسم للمرة الألف، فلولا الأولاد الذين سيجوعون لدخل السجن طوعًا. ففي السجن سينام متى يشاء ويستيقظ حين يريد وسيشبع الأكل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت