فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 55

كيف لم أفكر بهذا؟ كيف لم أتيقن وأنا أرى الهوّة تتّسع، وبقي أحمد صامتًا. لم يلمني على شيء أو يقل شيئًا. أو.. أو. كما فعلت وأنا أحاول جاهدة كي أعيد الحياة لعلاقتنا، فأصاب بالفشل، وأهرب في كل مرّة من نظراته مخافة أن يكتشف حقيقتي.

لكن! هل للملائكة دور في إبعادنا عن الخطأ والخطيئة كما قال هذا الشاب؟ هاهي الصور تتشكّل في ذاكرتي، وكأنني اكمل زينتي. أحمل أوراقي وقلمي وديوان شعر، إلى حيث الحديقة. طاولات ومقاعد ونادلات. شاي أو قهوة. هنالك سأملأ صفحاتي، أشحذ ذكرياتي. أعود للأمس. أنتظر، وأكتشف مع مرور الوقت أننا في عالم لا علاقة له بالماضي، وأن الحلم قد غاب، وأتى ليرحل، وأن أحمدًا الآن لا علاقة له بأحمد الأمس، كما لا علاقة لي بما كان، وأننا معًا في طريق الانفصال.

أبعدتني الذكرى عن هموم الشاب. أدخلتني في عالمي الغريب، كان هو مسترسلًا في الحديث وأنا غارقة في التفكير. كان جادًا وأنا أضع الاحتمالات، كان مؤكّدًا وأنا أبحث عن تأكيد، مادامت الحقيقة قد ضاعت فلا بد من سبب نرمي عليه الهموم والأخطاء، ونبرئ أنفسنا من الاتهام.

سحبني سؤال الشاب من شرودي متسائلًا:

ـ ما رأيك بما قلت؟

أجفلت. قلت متداركة:

ـ لم أستوعبه تمامًا.

بدا لائمًا قال:

ـ قصدت دور كل من الملائكة أو الشياطين؟

ـ ما بهما؟

تأفف. ضحكت مصطنعة الجد وأنا أقول:

ـ أعتقد أن هنالك أسبابًا أخرى.

ـ كيف؟

ـ لا أدري تمامًا.

ـ لكنني مصرّ. هما اثنان. أحدهما كان يقف لي بالمرصاد.

كان منهمكًا بسترته الجميلة، وكنت منشغلة باعتقاده، وتبريراته ما بين من خرّب حياته لمجرد الأذى، أو من خرّب حياته بحجج الابتعاد عن الأذى، وفي الحالتين بدا واثقًا ومصرًا.

أدار وجهه نحو النافذة، بدا وكأنه يبتعد ويبتعد، ومن خلال ضوء القمر الذي تسلّل فجأة من تحت غيمة. استطعت رؤية وجهه. كان واضح المعالم، وكنت أعقد ذراعي للمرة الأخيرة، مستسلمة للآتي، باحثة عن طمأنينة مؤقتة، هي أقصى أحلامي ذلك المساء.

ربطة خبز

تداعى الماضي إلى ذاكرة أبي يوسف وهو يعبر سوق الصاغة، يوم لفت هذا السوق انتباهه، بحوانيته المصطفّة على الجانبين وكأن أصحابها يتنافسون بعرض الثمين والمتلألئ معًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت