فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 55

لم أجب هذه المرة، لكني سمعت تنهيدته ثانية. لا أدري بعد ذلك ما الذي حصل؟ وكأن شيئًا في أعماقي يولد للتو ودون تبرير، ربَّما بسبب هدير الباص المتناسق الصوت، أو رؤية الشارع وهو يطوى تحت العجلات، وربما بسبب السماء المثقلة بالغيوم، أو هو اللحن المنبعث من المذياع القديم. أشياء جميلة أضفت على الأجواء العذوبة، لتطوف الأحلام في المكان، وتحطّ مع مرور الدقائق في أقرب حيّز. أمور تشبه الولادة، لا تفسير لها، كما يطل طفل إلى العالم صارخًا مستقبلًا الحياة.

تلك اللحظة تيقنت من أن الشاب قد حمل مشاعر شبيهة، إذ التفت إليّ دون استئذان، وراح يحدّثني ببساطة، عن اسمه وعمله وحياته وعن علاقته بزميلته التي أحبها طويلًا، والتي قرّر الانفصال عنها في الأخير. دارت الأحاديث بيننا بعفوية دون تكلّف، إلى أن توقف فجأة، وسألني بطريقة جادة قائلًا:

ـ هل تؤمنين بوجود الملائكة؟

أدهشني السؤال. قلت متداركة:

ـ ربَّما.

ـ وبالشياطين؟

فوجئت.. قال:

ـ في هذا الدنيا ملائكة وشياطين لا ثالث بينهما.

ـ كيف؟

أخذ وضعًا وقال:

ـ ما حدث معي له علاقة بأحدهما، فأحدهما كان يرصد أيامي خطوة خطوة.

كانت نبرات صوته جميلة الوقع. لم يتسن لي رؤية وجهه، فالعتمة ملأت المكان، ليهيأ لمن في الباص أنه يطير خلف عينين مضيئتين، دون أن يدري أين هو أو إلى أين يسير، بينما عم الهدوء، عدا بعض أصوات متفرّقة، وكان خلال ذلك مسترسلًا بحديثه الحزين، فزواجه من تلك الزميلة كان حلمًا من أحلامه، وكانا متفقين على الحب والاستمرار، إلى أن توصّلا معًا إلى قرار الانفصال.

ـ هل قرّرتما هذا معًا؟

ـ أجل.

ـ وأين دور الملائكة أو دور الشياطين؟

تململ وهو يستمد الثقة ليقول:

ـ يوم حدث الانفصال اعتقدت أنه تدخل ملائكي، لينقذني في اللحظات الأخيرة، وأعرف الآن أنه عمل شيطاني غايته تخريب حياتي.

فكّرت للحال بكل ما قال، فقد نقلني الشاب ودون أن يدري إلى عالمي، ورحت أعقد المقارنات بين ما حدث معه وما يحدث لي، فقصتانا متشابهتان، كأنني أرى الشيطان وراءنا أنا وأحمد. نخطّط فيخطّط. نحلم فيحلم. نفكّر فيفكّر. نسير فيسبقنا. يعرقل أقدامنا. يبتعد الطريق، وتسبقنا الساعة، وترحل المواعيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت