فهرس الكتاب
بقي لي ذلك الشعور الجميل، يزغرد في أعماقي، بينما صورة ابنتي وشوارع مدينتي الصغيرة تلاحقني. أيقنت أن الحب أجمل من كل شيء، وأن التذكّر وإن حمل القلق أهم من النسيان، فقد اكتشفت أن اشتياقي لحياتي التي أعيشها بكل ما تحمل من توتّر وعوز، أهم بكثير من حياة مازن المرفّهة وما لحق بها من تبدّلات، وكنت تلك الأثناء أحلّق في سماء بلدي، وأنا أكثر سعادة من أي يوم مضى.
المرصاد
المساء يقترب، والسماء داكنة، وشبه أحزان تعصف بي. أسندت رأسي إلى الوراء، متجاهلة وجود المسافرين والشاب الملاصق لمقعدي. أراقب الابتسامة الوحيدة للسائق وهو يوزعها على الوجوه المتعبة من السفر.
لم أكن راغبة بشيء، عدا التفكير والاستغراق في التفاصيل التي عمّقت الهوة بيني وبين أحمد، وأوحت بصعوبة الاستمرار الذي كنا ننشده. لنستسلم لقرار الانفصال. هذا ما فرضته جلساتنا المتباعدة. شعرت بالأسى، وألقيت اللوم على سنوات الغربة، فقد تحتّم على أحمد تلك الفترة السفر لتأمين نفقات زواجنا المقبل.
هذا ما شغلني وأنا في الطريق، وكنت أقارن بين الأمس واليوم، فهل يستطيع الزمن إخراجنا من دوائر الحياة التي نعيشها بصدق، وكأن شيئًا لم يكن؟ وكيف نعبر أمام ما آمنا بها ذات يوم، وكأنه ولد في زمن لا يصلح لكل الأوقات؟
كنت مستغرقة في التساؤلات، حين نمّت عن الشاب، تنهيدة ذكّرتني بأكثر من أمر. قلت في نفسي هل تتشابه الأحزان؟ تلك اللحظة سمعته يسألني بلهجة لا تخلو من اللباقة قائلًا:
ـ أتريدين الجلوس قرب النافذة؟
ـ لا.
تجمّعت على نفسي، علّني أوحي برغبة الانعزال، فالطريق طويل، وأنا أسيرة ذاكرة لا تكف عن التواصل، وقيد التساؤلات التي لا تهدأ.
ـ هل أنت مدرّسة؟
تأخرت في الرد وأجبت ببرودة:
ـ لا.
نظرت إلى الساعة وحسبت الوقت المتبقي. فكّرت بإغفاءة قصيرة تبعدني عن تطفل هذا الشاب الذي بدا مهذبًا ورافضًا الصمت، إلى أن أتاني صوته متسائلًا:
ـ ماذا تعملين إذن؟