فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 55

ضحك مازن معلّقًا بأن ذلك يحدث في البداية فقط، ويتحوّل الحنين مع الأيام إلى ذكرى. تنبّهت إلى أنه يعيش الحالة فعلًا، وأنه يتعامل معي وكأنني من بلد لا علاقة له به. إذ لم يسألني عن مكان له حيّز في ذاكرته، أو عن أحد يمتّ له بصلة قط، وكأنني الوحيد الذي لم ينسه خلال سنوات غيابه، وربما كنت السبب في استمرار العلاقة بيننا، إذ لم أنقطع عن الاتّصال به كلّما سنحت لي الفرص.

أصبحنا أنا في واد وهو في واد. كان هذا طبيعيًا بالنسبة لكلينا، فقد عاش هو تلك المرحلة وتخطّاها كما قال. أمَّا أنا فما زلت في قلب الحدث الذي تسلّط علي. بينما صورة ابنتي الصغرى بوجهها الطفلي، والدموع تتدحرج فوق خدّيها الجميلين، وصوتها المليء بالإصرار وهي تطالبني باصطحابها، تملأ ذاكرتي. سقطت دمعتي وخفق قلبي، وكنت أداري حالتي بابتسامة مزيّفة، وعندما أعود من رحلة التذكّر، يطالعني وجه مازن بارد الملامح. أجفل، وأحاول انتشال نفسي، من دوّامة تشبه دوار بحر، سيطبق عليّ ويأخذني شيئًا فشيئًا، إلى أماكن تصبح البديل، كما حدث لصديقي الذي اكتشفت مع الأيام، أن الراحة النفسية هي في قطع الصلات مع الأمس، والتعايش مع الجديد لتحقيق الأحلام الجميلة.

انتفضت فجأة، وكأن ما حولي سيسلبني من أسرتي أو يسلبها مني، تلك المعادلة وربما المقايضة بين الأرض والحلم، الأسرة والنسيان. الحب الحقيقي والبديل. شعرت بأنني قد أستغني عن كل ما يربطني مع هذا البلد، وما يبعدني عن روابطي الحقيقية، وحين قرّرت العودة، كنت أرفض أن أكون صورة عن مازن، الذي أصيب بالدهشة وأنا أصر على قراري، ولم يصدّق أنني في حالة نفسية صحيحة، فأضحك وكأنني بين الجد والمزاح قد قرّرت وانتهى الأمر.

لا أدري حقًا إن كنت سألقى مازنًا ثانية، كما وعدته وأنا أغادر بلده الجميل، كان مصرًّا على عودتي، واعتبرت إصراره جزءًا من حنين في أعماقه يأبى الموت، غير أن الخوف في أعماقي أخذ يشتد. كان عليّ تلك اللحظات الهروب من كل شيء، خصوصًا وأنا أراه يتحوّل شيئًا فشيئًا إلى رجل لا علاقة له بالسابق. رجل يشبه آلة ترتّب عليها الحركة والعمل وقد خلت من الروح والجمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت