فهرس الكتاب
كادت تطير في أرجاء الدار، وكانت تحلم بتحقيق الحلم الذي وصفته أمها بالكابوس. والتي دهشت من ردّ ابنتها، إنه كابوس جميل، طالما أيقظ الحنين إلى أطفال يملؤون حياتها. إنه أجمل ما عاشته إلى الآن. ابتسمت بسعادة، أغمضت عينيها، وكأنها تحلم من جديد.
البديل
استعدت أحداث اليوم بما فيها أحداث المدينة التي أزورها للمرة الأولى، ويشبّهونها ببحر يحمل في أعماقه الدرّ. كانت الشوارع نظيفة وملفتة بأبنيتها المنظّمة واتّساعها. يظهر البحر تارة ويغيب تارة. يضفي الأناقة والجمال على معالم الطرقات، وتلتقي بوجوه نقية الملامح، تلفت الانتباه بطيبتها وبساطة أسلوبها في الحياة.
أسرتني هذه المدينة منذ اللحظة الأولى كما فعل مواطنوها، ليساهم ذلك بإبعاد مشاعر قلق رافقني وأنا أغادر بيتي وعالمي، وأبتعد شيئًا فشيئًا، إذ استفاقت ذكرياتي بما فيها من أفراح وأتراح، وفي أعماقي نبت الشوق لكل حبة تراب من بلدي الحبيب، واستطعت تفهّم واستيعاب كل ما قيل عن الحنين، وأنا أطير عبر سماء الوطن.
كنت على موعد مع صديقي (مازن) المقيم في هذه المدينة، والمرتبط بها بعقد عمل طويل، وكنت أستعيد أحاديثه عبر الهواتف، فالتفكير بالعمل يخفّف من وطأة التفكير بأسرتي الصغيرة، التي استفاق عندها حلم الانتظار، حيث ستتلقى في مطلع كل شهر مبلغًا من المال يقيها شرّ العوز والفاقة، وكنت أحثّ الخطا لذاك اللقاء، الذي بدا الحلم فيه يتحقّق، مذ وطأت قدماي أرض هذه المدينة.
كنت على موعد مع رب العمل قد رتّب مسبقًا، ومذ حدثت المقابلة سرت الطمأنينة في أوصالي، وظهرت التباشير الأولى، وأيقنت أنني في الطريق نحو تحقيق الحلم، وأنني سألتحق بعمل هيّأت نفسي له، والتزمت مع صديقي الذي تفرّغ لي، وأحاطني بأجواء من البهجة. كل شيء جميل. أسواق حديثة مبهرة. أسواق قديمة لا تخلو من الحيوية. دور للثقافة والعلم. مقرّات للصحف والمجلاّت. مطاعم. ملاعب أطفال، وخلال ذلك لم أستطع نسيان بلدي، أو إبعاد تفكيري عن بيتي الصغير وأسرتي.