فهرس الكتاب
استلقت على الجانب الآخر من جسدها وهي تتأفّف. فكّرت! لماذا زوجها قاس إلى هذه الدرجة؟ لماذا لا يحبهم بمقدار ما تحبهم هي؟ إنهم أطفال صغار ورائعون، وبحاجة إلى مزيد من العطاء. لم لا يساعدها في تربيتهم؟ لم يتجاهل أبوته وواجباته نحوهم؟ لم ولم ولم؟ اغرورقت عيناها بالدموع وكانت غارقة في التساؤلات.
كانت الجدة أثناء ذلك ترفع ظهرها بصعوبة، وتضع كفيها على وركيها وتقفل راجعة إلى ركنها في إحدى الزوايا، في اللحظة التي لاحت منها التفاتة إلى الابن الأوسط. شعرت بقشعريرة في جسدها. كان قد حضر طاويًا وسادة نومها بيد، وقد قصّ قطعة من الحبل المتدلّي من رقبة الكلب. وراح يلفه حول الوسادة بعشوائية، ثمَّ يربطه بشدة، وهو يصيح بسعادة: إنها الكرة القماشية.
ضرب الابن الأوسط الكرة بأصابع قدمه. ارتفعت قليلًا. اصطدمت بشريط كهربائي. أصدرت شرارة. قفز أعلى ثمَّ أسفل وهو يصفق بيديه، وعاد ثانية ليتلقى الكرة باحثًا من جديد عن طريقة لقذفها وهو يتلفت يمنة ويسرة.
انتبه الأكبر للحال. غادر التلفاز على عجل. وغاب قليلًا في المطبخ ليعود مسرعًا نحو أخيه. بدا منهمكًا بشدة وهو يرسم بقطعة فحم دائرة على الجدار، وينقش تحتها خيوطًا متدلية من الشبك، ويتوقف مصفّقًا وصائحًا: ارمها هنا. هيّا ارمها. واحد صفر. جاء دوري. اعطني الكرة. واحد كل.
ترتعد فرائص الجدة. بدت وكأنها ستنفذ أمرًا كان قيد التفكير. تساءلت الابنة كيف جاء لأمها هذا النشاط. فقد كنت الجدة تتجه نحو الباب بخطى واسعة وسريعة. تفتحه على مصراعيه، وخلال دقائق ترمي الجميع في الخارج. مردّدة: اللعنة.. كان أبوهم على حق.
نبح الكلب وراءها. فتحت الباب ثانية. رمت الكلب خارجًا.
نهضت الأم قلقة من الهدوء الذي حلّ فجأة. تساءلت عن الأولاد. كانت تلامس بكفيها استدارة بطنها: انظري يا أمي. الجنين يتحرّك في أحشائي. اللعنة على زوجي. يبذر الأولاد ويتنصّل من تربيتهم.
صاحت الجدة وهي تبتعد نحو غرفتها: اللعنة عليك أنت. هؤلاء قرود وليسوا أولادًا.
تنادي الأم على ابنتها التي راحت في إغفاءة طويلة. تنهض الابنة بتثاقل وهي تلوم أمها لأنها سحبتها من أحلامها الجميلة. لقد كان حلمًا طويلًا وجميلًا. تتأفّف الأم. ألن تنتهي من هذه الأحلام؟