فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 55

لفّت الجدة رأسها بشريط من الكتان، وهي تتمتم بكلمات لا ترابط بينها. كانت تقطع أطباق الخضار على مهل، حين سمعت الباب يقرع، وشاهدت الأطفال يتسابقون لفتحه، فوقعت للحال مشادة بينهم حول من سيصل إلى الباب ومن الذي سيفتحه. وبين البكاء والشكوى فتح الباب، فأطل أكبرهم الذي لا يتعدّى العاشرة من عمره وقد دخل يسبقه كلب يتدلّى من رقبته حبل وسخ. كان هذا الكلب يهز ذنبه ذات اليمين وذات اليسار. ويخصّ الأكبر الذي يدعوه ب (دوغ) ، والذي طالبه فجأة بالنباح. لبى دوغ الدعوة ونبح في وجوه الجميع. غير أنهم أجفلوا بأجمعهم، خاصة الأصغر. فما كان من أكبرهم سوى أن شدّ الكلب إلى الوراء وهو يعتب على أخوته ويصف نباح الكلب بالتحبب، ويتجه ليفتح التلفاز، عرفته الأم من صياحه، فهو يقلّد الديكة كلّما هم بالبحث عن برامج الحيوانات. استطاعت أن تتخيله وهو يجلس أخيرًا. يمتّع نظره برؤية القرد الذي كان يتنقّل ما بين الأرض وبين أغصان الشجر. أسعدها أن ابنها يضحك بصوت عال وبعذوبة، وأنه يقلد كل حيوان يراه. كان الكلب أثناء ذلك يلهث وقد تدلّى لسانه، وكان سعيدًا بمراقبة صاحبه والقرد معًا.

تململت الأم في فراشها. تذكرت موعد تبول طفلها الصغير قد حان. صاحت بالجدة أن تنزع عنه (الحفاض) كي يرتاح ويكف عن البكاء. فهي متعبة جدًا ولم تنم إلى الآن.

انصاعت الجدة لرغبة الأم، وهي تتمتم بكلمات لها علاقة بالطفل وأمه. نظفت الطفل ووضعته في سريره. كان الطفل جميل الصورة، أخذ فجأة بالمناغاة. ابتسمت الأم. إنه طفلها المدلل الذي تحبه كثيرًا، واتّجهت نحو بقية الأطفال بخطى متباطئة. كان تصف حالتها الصعبة، التي يجب أن تكون مختلفة حقًا، فقد أنجبت وربّت ويحق لها أن ترتاح. لم تعد امرأة صغيرة. مذ فقدت القوة والنشاط. هاهي تشعر بالإعياء، وقد خف سمعها وبصرها وقدرتها على الحركة. كانت الكلمات تتدفق مدرارة من بين شفتيها، حين توقفت فجأة لتلعنهم واحدًا واحدًا، وتنادي على أمهم التي لم تغف إلى الآن. كانت الأم أثناء ذلك تلعن أباهم الذي شرّدهم. تذكّرت كيف طردهم من البيت ذلك الصباح، بعد أن طفح الكيل ـ كما قال ـ وأراد البحث عن الراحة والهدوء اللذين حرم منهما منذ أن تزوّج وأنجب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت