فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 55

كان الطفل الثاني أثناء ذلك يعبر أمام جدّته، ويمسك بكفيه دولابًا في فراغ، فيبدو لمن يراه وكأنه يقود شاحنة ضخمة ويتنقل فيها بين شوارع المدينة، ويحاول أن يطلق بين الفنية والفينة أصواتًا بقصد تنبيه المارة. ضحكت الأم بجذل حين تنبّهت فجأة إلى الابن الثاني وقد أمسك بيده عودًا خشبيًا يشبه عود الثقاب، تلتصق بهذا العود قطعة حلوى ملوّنة. هذا الابن يعتقد أنه يلعق الحلوى، ويظن في الوقت نفسه أنه يستمع إلى أغنية غربية اللحن والكلمات، ولهذا راح يرقص ويضرب الدولاب الوهمي بطرف قدمه. فتحتار الجدة بما ستفعله، فتشعر بالغضب وتصرخ بالاثنين أن يتوقّفا أو ستضطر لمعاقبتهما. لكن الجدة لم تنجح بمسعاها، ولم يبال أحد منهما بتهديداتها، فراحا يتراكضان ويتجاهلان ما ألمّ بهما. إلى أن خلع أحدهما حذاءه ورماه باتّجاه الجدار، مصطنعًا اللامبالاة وهو يضحك من انفعال الجدة التي نهرته بغضب، قهقه الآخر وهربا معًا من وقع الحذاء الذي سيرتدّ عليهما بعصبية. اشتد غضب الجدة. ندبت حظها، فهي امرأة عجوز، ولقد تعبت في حياتها ما فيه الكفاية. يحق لها أن ترتاح. أن تهنأ. أن تتحرّك أو تغفو أو تجلس دون ضجة أو ضجيج. نادت على ابنتها التي لم تجب. ضربت كفًا بكف وتأففت وهي تتمتم بكلمات مبهمة.

كانت الابنة الصغرى تتمشى بصمت بين المقاعد وأثاث البيت. بدت عيناها الواسعتان كخرزتين زرقاوتين. عبرت بين أخوتها بهدوء، لم تلتفت لأحد، أو تعير أحدًا اهتمامًا، فهي تمسك دمية شقراء بطول قامتها. تسحبها من يدها، وقد تدلّى جسدها الرخو على الأرض.

ناداها أحد أخويها فلم تجب. ضحك الآخر وقد راق له رميها بكرة (بلاستيكية) وقبل أن يتّجه نحوها، ويطبّق عليها آخر ما تعلّمه من دروس الكاراتيه، كما يفعل دائمًا. شتمته وهمّت بالهروب في اللحظة التي دب الخوف إليها. استنجدت بالجدة بلثغتها المحبّبة. كانت الجدة أثناء ذلك تنادي على الأم التي أصيبت بالصمم والبكم معًا، ولعنت حظها من ابنتها.

حين غاب أخوا الابنة الصغرى وهما يتضاحكان. كفّت هي عن البكاء. كان وجهها أثناء ذلك ينضح براءة وصحة. وكانت تتّجه نحو الثلاّجة لتفتحها بهدوء، وتأخذ حبة توت تضعها على فم الدمية محاولة إطعامها. تسقط حبّة التوت على الأرض. تسحقها بقدمها. تلعن الجدّة حظها من هؤلاء الأحفاد أيضًا. تبكي البنت بقهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت