فهرس الكتاب
ابتسمت وهي تغادر أمها إلى غرفتها ناشدة قيلولة قصيرة. لم تكن ذلك اليوم تحلم بشيء. كان السؤال الوحيد الذي يشغلها، هو متى ستصبح أمًا؟ تأثّرت وتأففت، وتيقنت أن مصدر قلقها له علاقة بأمومتها التي تريدها حقيقة لا حلمًا. كانت أمها تلومها في كل مرة، فهي صغيرة على تلك المسؤولية. ولم تكن تبالي بما تسمعه، لأنها تحب الأطفال أكثر من أي شيء آخر.
استلقت بهدوء وأغمضت عينيها. خفق قلبها بشدّة، فقد تراءى للحال أحد أبنائها الذي تحبه كثيرًا، ربما لمقدرته على كسب مشاعرها، أو لاعتقادها بذكائه، فيثبت وجوده في كل مناسبة، وتكون على يقين من أنه قد دبّر لها أمرًا ما، فكان يصطنع الغضب أحيانًا، فيدخل إليها متجهم الوجه، أو ينهض من فراشه عابسًا، أو شاكيًا. ضحكت وهي تتذكّر هدوءه الفجائي حين تحضنه أو تمسح على جبينه، أو حين تحنو عليه. ابتسمت أكثر فقد تراءى أخوه الأصغر، وتلاه أخوه ثمَّ أخته، ضحكت إذ سمعت نباح كلب الأكبر، توقفت عن التفكير قليلًا فقد سمعت صوت الجدّة، ثمَّ بكاء الصغير. تململت وهي تقلب جسدها إلى الناحية الأخرى، لتغيب بين أفراد أسرتها الجميلة، باحثة عنهم فردًا فردًا.
تنهّدت.. هاهو طفلها يعلم مدى حبها له محتفظًا بملامح الغضب. كان يتحرك بخيلاء. ضرب بقبضة يده الجدار. قفز وهبط ثانية. أطاح المقعد الخشبي بطرف قدمه. التفت إلى أخته الصغرى وصاح بوجهها كي تهابه. رمى حذاءه بعشوائية. أصاب أخاه الأصغر الذي بكى. أصاب المذياع في مرة لاحقة كما أصاب الصورة الزجاجية، ثمَّ النافذة والمنضدة، وكاد أن يكسر التحفة الصينية والمصباح ورجل الكرسي.
تململت الأم في سريرها وهي تتهيأ للاحتفاء به. لم تشأ الانتباه إلى صوت الجدة المتصاعد باستمرار، والتي راحت تنادي عليها وتلومها بقسوة، وتفرغ حنقها الممزوج بكلمات التأنيب. هذه هي أمها دائمًا. ستملي كعادتها ما تحفظه من دروس تخصّ التربية والأصول، ولسوف تعلن استنكارها، أو تتنكر لأمومتها، ولسوف تكرّر نفس الكلمات، فكل ما حولها على خطأ. وكل ما تراه خال من الجمال؟ وكل ما تسمعه بعيد عن الصواب. وقد تتوقف هنيهة لتتساءل باستغراب ممزوج باللوم والقلق قائلة: لم لا تتوقّف هذه المرأة الولود عن الإنجاب؟