فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 55

طال الوقت، أو هكذا شعرت صفاء. حاسبت نفسها خلال ذلك كثيرًا. لمَ لمْ تفرغ غضبها على مسمعي العامل؟ لمَ لمْ تهدّد أو تتوعدّ؟ لمَ لمْ تكيل له؟ أو.. أو..؟

حملت الهاتف وسجّلت الرقم وقالت فجأة:

ـ سوبر ماركت؟

لم يجب أحد، فازدادت انفعالًا وصرخت:

ـ رد أيها الحقير.

لم يجب أيضًا.

ـ ألن ترد؟ أنت سافل حقًا.

سمعت همهمته وهو يقول ببرودة:

ـ كفي عن إزعاجي يا امرأة. أريد أن أرتاح.

لم تنتبه للغته العربية الجيدة، فقالت:

ـ ترتاح؟ زوجي آت ليلقنك درسًا لن ترتاح بعده.

فرد الصوت هذه المرة بغضب وهزء شديدين وهو يقول:

ـ ألن تفهمي؟ أنا لست عامل السوبر ماركت.. أنا مواطن متعب وأبحث عن الراحة.

أغلق الهاتف في وجهها، ورمت هي الجهاز، فقد تلاشى الغضب للحال، وحلّ محله شعور التخاذل. كانت تتذكّر التعليمات حول طريقة الاستعمال، ما بين المحمول والثابت. رمز المدينة.. رمز المحمول و.. و.. تأكّدت أن الرجل لم يكن عامل السوبر ماركت. كان رجلًا آخر أراد المزاح، وربما استهوته الفكرة وأتته الفرصة ليتقمص الشخصية التي سيضيف إليها من مخيلته، ويتندّر بها بين الأصدقاء.

مع شعورها بالخجل شعرت أيضًا بالراحة. نظرت إلى الجهاز بوجل. أغلقته وهي تفكّر بتجاهله، وراحت تراقب الهاتف الثابت وهو يواصل الرنين. وفي ذاكرتها صورة جارتها وزوجها والأصدقاء. كان في جعبتها حديث جديد ومختلف، كما هو في جعبة الرجل الآخر، الذي لقنها أولى الدروس.

أمومة

مشكلتها مع الأحلام لا حلّ لها، فهي تحلم في النوم وفي اليقظة، وفي كل وقت تنفرد فيه. كان هذا من أهم أمور حياتها، أن تنفرد مع نفسها وتروح في رحلة إثر أخرى، وكانت سعيدة بما هي فيه، خاصّة حين تحلم بأطفال يتحرّكون حولها، ينادونها بأمهم، وتستمع إلى شكواهم، وتتحمّل أعباء تربيتهم. كانت تحب الأطفال المشاكسين، ولذا فهم في مخيّلتها أطفال عنيدون أو لا مبالون، وتحبّهم جدًا. فكّرت بهذا وهي تستعيد كلمات أمها وتضحك بجذل، فأمها تغتاظ من أحلامها وتدعوها بأحلام اليقظة، وتكرّر أمامها باستمرار بأن لهذا الخيال عواقبه، وتقدم إليها النصيحة إثر الأخرى، فيجب أن تضبط نفسها، لتكبح هذا الخيال الذي سيضر بها حتمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت