فهرس الكتاب
-أنا يريد.. حبّة علبة.. (بيبي فوطة) .
وألحقتها كالعادة بكلمة (مشكور) .
أنهت المكالمة وعلّقت على خمول العامل هذا الصباح، فضحكتا وراحتا تتبادلان سرد القصص المتعلقة بأمثال هذا العامل بجنسياتهم المختلفة، والمنتشرين كعمّال في المتاجر أو المقاهي، أو كسائقين لسيارة أجرة، وكانتا في انسجام وهما تستعيدان بعض ما يؤلفه سكان البلد، أو ما يضيفونه على تلك القصص من أفكار لها علاقة باللغة التي يتكلم بها كل من أولئك العمال، عبر أعمالهم البسيطة، فكان لهم الموقع الهام. إن كان في استعادة المفردات المستعملة، أو في طريقة تلقيها، ولم يفتْهما خلال ذلك التعليق على إيجابيات التعامل النظيف مع كل منهم.
عادتا لمداعبة الطفل، وإلى شتى الأحاديث، إلى أن انتبهتا فجأة لتأخر العامل، فهبّت صفاء لتبدي سخطها هاتفة ومشدّدة على طلب فوط الطفل، مكرّرة المفردات السابقة بأسلوب أشد إلحاحًا.
لم يأت العامل أيضًا، وأحسّت صفاء باستهتاره، فاستمهلت الجارة التي همّت بالنهوض للمرة الأخيرة، وهتفت مكررة رقم الطابق والبيت، محمّلة نبرتها مزيدًا من الغضب وهي تقول:
ـ سوبر ماركت؟ أنت ما يفهم عربي؟ وين علبة (بيبي فوط) ؟
صمتت قليلًا لتجيب على سؤاله وتؤكدّ قائلة:
ـ أنت ما تعرف (شو) أعطيك؟ أنا أعطيك فلوس.
كانت الجارة في دهشة أيضًا، وتراقب صفاء التي صرخت كالملسوعة:
ـ فلوس لا؟؟ تريد بوسة يا حقير؟ أنا أعطيك واحدة (بيبي فوطة) وسخ على وجهك.
ألقت الجهاز وقد عبق وجهها بالأصفر ثمَّ الأحمر. شتمت ثمَّ انتابتها موجة من الضحك. ثمَّ الاستنكار فالغضب. أعادت الحوار أكثر من مرة، ولم تهدأ وهي تكرّر كلمة العامل، الذي تجرّأ وتطاول عليها؟ كيف يساومها؟ كيف يحدث هذا ولماذا؟ وكيف وكيف؟ وبين التوتر والضحك المتقطّع، راحت هي وجارتها تكيلان الشتائم لهذا العامل القذر، فهو قصير القامة داكن البشرة، بشعر أسود متهدّل وكثيف. ينتعل على الدوام حذاء صيفيًا، تظهر أصابع قدميه من فتحاته، كما تظهر أسنانه لانفراج شفتيه، وهو يبتسم للزوار ببلاهة.
غادرت الجارة أخيرًا، وتركت صفاء في حالة استنفار، فهي لن تهدأ إلى أن يحضر زوجها، ويلقّن العامل درسًا لا ينسى، ويعلّمه احترام الجيران الذين يبتاعون حاجياتهم من المتجر الذي يعمل فيه، أو سيخسرهم واحدًا إثر واحد.