فهرس الكتاب
عادت للجهاز في الساعات الأولى أكثر من مرة. تعاملت معه بود شديد. كانت سعيدة إذ أضفى على حياتها التجدد والاختلاف. قلّبته. لمَ هو صامت؟ فكّرت بالهتاف إلى أحد ما. زوجها أو أخيها أو جارتها. فكّرت بالتعليمات. ضغطت فوق أزرار وأرقام. أصدر صوتًا. ارتبكت. أغلقته بلمسة سريعة. اكتشفت حاجته للشحن. ألحقته بشريط كهربائي، وراحت تراقبه بين الفينة والأخرى. ابتسمت في سرّها. فهو سيحتلّ مساحة خاصة، وستكون له المكانة الهامة.
أبكرت في الصباح على غير عادتها، وراح الجهاز يتنقل معها في أرجاء البيت. الغرف. المطبخ. الحمّام، متذكّرة موعد قدوم الجارة التي تحلم أيضًا باقتناء هاتف محمول، وربما ستغبطها أو تقتدي بها، فكان للجهاز نصيب من الأهمية بحيث وضع فوق المنضدة للملاحظة.
عبّرت الجارة للحال عن إعجابها بهذه الخطوة، كم هو ضروري عند الحاجة، في السفر أو في التنقلات أو للاتصالات الشخصية. خاصة للنساء اللواتي يعملن. كانت الجارة تصطحب طفلها الرضيع معها. وكعادتهما هي وصفاء لاعبتاه بحب ولهفة، قبل أن يروح في غفوته القصيرة والمعتادة، وكعادتهما أيضًا في جلسات كهذه، ومع رشفات القهوة والثرثرة، دخلتا في رحلة الذكريات. كان لهذا الصباح طابع الحنين والشوق، وأحاديث عن مقايضة ما بين الغربة ورفاهة العيش. علّقت الجارة على ميزات هذا البلد، فاللغة واحدة والهم واحد. لا شيء يعيق تحرّكاتهم. الأسواق. الشوارع. بالنسبة لها تفضل الحياة هنا عن بلد أجنبي لا يمتّ لها بصلة، وكانتا منسجمتين كما يحصل دائمًا، إلى أن سحبهما بكاء الطفل. همّت أمه للحال بالنهوض، إذ يتحتم تبديل لباسه، الفوطة بين فخذيه مبلّلة ولم تحضر له بدلًا.
أجلستها صفاء التي ابتهجت فجأة إذ أتتها فرصة استعمال هاتفها الجميل، وستهتف لعامل ال (سوبر ماركت) ، القاطن في الطابق الأرضي من المبنى، وهو سيحضر الطلب سريعًا.
حنت على الجهاز. لامسته برفق. سجّلت الأرقام التي تحفظها جيدًا، فهي تستعملها كل يوم. بدت واثقة وهي تنتقل إلى مرحلة الضغط بعد ظهور ال (موافق) ، وانتظرت الرد.
مرّت ثوان لتسأل بعدها قائلة:
ـ سوبر ماركت؟
كانت الجارة تراقبها بعفوية، وتعرف أن العامل هندي الجنسية، ولا يفهم من العربية سوى بعض المفردات التي يتداولها سكان المبنى معه، وملم ببعض الكلمات الإنكليزية، وكانت تستمع إلى صفاء التي تقطّع الجمل والكلمات، وتملي على العامل رقم الطابق والبيت الذي تسكن فيه وتتابع قائلة: