فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 55

رحت أراقبه وأستمع إلى تفاصيل قصّته، حين كان بعمر سمير، وكان أبوه عاملًا مياومًا في إحدى ورشات البناء. فيبدو منشغلًا باستمرار أو متعبًا، وكان هو يحلم بالجلوس قربه أو معانقته أو التحدّث إليه، لكن وبعد أكثر من محاولة اكتشف أن ذلك لن يتحقّق.

لكن أحلامه لم تتوقّف. هذا ما يذكره، فقد دفعته براءة الطفولة للتفكير الطويل، فلوقت أبيه ثمن. طالما يعمل بأجر معين، فلم لا يشتري الآن من ذلك الوقت. أسرع إلى حصّالة نقوده وعاد ليفرغها في حضن أبيه ويسأله قضاء ساعة معه.

قلت لزوجي بوجل:

ـ ما الذي حصل بعد ذلك؟ هيا قل لي!

لم يشأ الرد. نهض صامتًا. اتّجه نحو غرفة سمير، وهو يناديه بطريقة لم أعهدها فيه من قبل، قائلًا:

ـ تعال يا سمير. لقد ارتحت الآن، وأريد قضاء بعض الوقت معك.

سمعت صوت سمير، وكأنه يخرج من صمت طويل:

ـ هل أنت جاد يا أبي؟

ـ طبعًا.

ـ التفت سمير إليّ غامزًا:

ـ كنت أمزح يا أمي.

كنت في دهشة وأنا أكتشف زوجي الذي لا أعرفه، والذي اعتبر صمتي واستسلامي داخل الجدران، جزءاّ من شخصيّتي التي أردتها ساكنة، أو أنه طبع الأنثى بتحقيق أحلامها عبر الزواج والإنجاب وأعمال البيت.

أغمضت عيني، وفي سمعي كلمات لها علاقة بالإرادة والفعل، وكنت تلك اللحظة أحلم بالمقبل، وأومِئ مع انهمار الكلمات حين تابع زوجي وهو يمسّد شعر سمير هامسًا:

ـ هذا ما يعلّمه لنا الأطفال.

ورحت لدقائق في ذهول.

قصة من الإمارات العربية المتحدة:

أولى الدروس

ابتهجت صفاء للحال، فقد تحقّقت أمنيتها، وهاهو جهاز الهاتف المحمول بحوزتها، كما أرادته. بحجمه ولونه ووزنه. سيكون رفيقها في البيت وخارج البيت، في الحقيبة أو في جيب سترتها، معه تصل إلى كل مكان، وتستمع إلى أحاديث من تشاء، وبالمقابل سيجعلها حاضرة إثر كل نداء، وأينما كانت، في المنزل أم في السوق، في ساعات الوحدة أو في لحظات الصفاء.

أصغت إلى إشارات زوجها، وشرح مفصّل عن طريقة الاستعمال، فما عليها سوى استدعاء الاسم المسجّل، أو تسجيل الرقم المراد، أو البحث عنه، الجهاز آلة ملبّية وجاهزة عند الطلب، وآلية استعماله واضحة، ولسوف ترشدها الخطوات على تحقيق ذلك، وما عليها سوى الانتباه والمتابعة، إلى أن تصدر أمر الموافقة أو الانتهاء بضغطة إبهام فوق الزر المخصّص. كانت صفاء خلال ذلك تهز رأسها علامة الإعجاب والاستيعاب معًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت