فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 55

سمعت وأنا غارقة في التفكير خشخشة المفاتيح. عرفت أن زوجي دخل البيت، فقد صفق الباب بشدّة.

بعد وجبة الغداء الحافلة بالصمت، دخل سمير إلى غرفته، ونهض زوجي كعادته متّجهًا نحو غرفة الجلوس، ريثما يحين موعد قيلولته. كان عليّ اللحاق به وسؤاله عن رغباته. قهوة أم فاكهة، مؤجّلة ما يترتّب عليّ من أعمال، لها علاقة بتنظيف المائدة والصحون، ووضع الفائض من الطعام في الثلاّجة، إلى حين دخوله غرفة النوم طلبًا للراحة.

لم أنس خلال ذلك ما قاله سمير، فهل عليّ نقل ذلك إلى أبيه؟ ارتبكت وأنا أفكّر. اكتشفت أن زوجي يراقبني، واكتشفت أيضًا تجاهله للأمر. كان يحاول النهوض حين قلت بطريقة لم يعهدها من قبل:

ـ اجلس.

جلس مندهشًا. كنت أعرف أن هذا الوقت خاص براحته، فهو لا يستغني عن ساعة استلقاء، تعيد لجسده التوازن. غير أنني حافظت على هدوئي، وأنا أشجّع نفسي لأعيد ما قاله سمير دون لفّ أو دوران.

ـ هل قال ذلك؟

ـ أجل!

ربَّما قلت له أكثر ممّا قال سمير، فقد شعرت بأنني أفرّغ كوامن نفسي، أو أن اللا شعور هو الذي يثرثر، وكأن ما أقوله يتعلّق بي وبرأيي، وليس بمشاعر سمير أو آرائه فقط، وكنت أصرّ على اتّهامه، وصبّ اللوم عليه وعلى العمل، وعلى الشهادات التي أحملها، وكنت بيني وبين نفسي راضية عمّا أقوله، دون انتظار الرد، أو أن الرد لا يهمّني، طالما أنظّف أعماقي، من التراكمات التي تجمعّت يومًا إثر يوم.

ضحك زوجي طويلًا، وكأن ما يسمعه لا يتعدّى المزاح، وحين نهض كنت في حالة من البهجة لأكثر من سبب، ربَّما لأنني أفرغت ما في نفسي، أو لاكتشافي أن التعبير عمّا يقلقني، أو يقلق سميرًا لا يسبّب الإزعاج. قال وهو ينهض:

ـ أحضري القهوة. سأعود.

عدت لأرى البسمة فوق وجهه، وبين يديه ما أطلق عليه ذات يوم دفتر الذكريات. كان الدفتر يحتوي على بعض الصور المتفرّقة لمراحل من طفولته. راح يقلبّها. هذه.. ربَّما هذه.. أو هذه، إلى أن استقرّ على إحداها. رفعها بين يديه. تلك اللحظة وجدت عينيه مغرورقتين. قلت متعمّدة سحبه ممّا هو فيه:

ـ ألن تشرب القهوة؟

لم يسمعني.. قال:

ـ كنت في عمر سمير الآن، إنه يشبهني.

لم يكن من أوجه شبه بينهما. قلت:

ـ ليس كثيرًا. ربَّما أقرب إليّ. اللون. التقاطيع.

ـ فعلًا. لم أقصد الشكل.. إنَّما النواحي الأخرى.

كنت أتابعه حين قال:

ـ سأحكي لك قصّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت