فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 55

هزّ كتفيه بلا مبالاة. كان يرفع جسده الضئيل، محاولًا تعداد أصناف الطعام، وكنت أحاول تهيئة نفسي، للدخول في جو من الهدوء والراحة النفسية والجسدية، كما أفعل كل يوم، تذكّرت تلك اللحظة، وكنت أحمل شهادتي الجامعية وأحلم بالعمل، يوم جاء العريس الهام، العائد من غربته الطويلة محمّلًا بالمال والهدايا، كان واثقًا من أن طلباته لن تردّ. هذا ما يفعله المال حين يثبت وجوده. يطغى على كل شيء، فكل الأهداف التي تشغلنا، إن كانت وراء العلم أو العمل، تصبّ جميعها في تلك الخانة البرّاقة (المادة) .

إنه يوم آخر أتلمّس فيه بلادتي، ضجري واستسلامي، وأتحوّل بفعل العادة إلى آلة بلا روح. أكرّر كل شيء. أنظّف الأرض عشرات المرّات. أعيد مسح الزجاج. أغسل. أرتّب. وحين أنتهي أعود لتكرار ما فعلت، أشبه العاملة التي تحضر أسبوعيًا، فأراقبها وأدرك أنها تتقن التنظيف جيدًا، وقد نكون متساويتين في النتيجة، وإن اختلفنا في مسيرتنا السابقة. أنا دخلت المدارس ونلت الشهادات، وهي مارست العمل في البيوت، عمل لا يحتاج لصرف سنوات من العمر جريًا وراء العلم، قد نتساوى في معرفة تفاصيل هذا البيت، لكننا نختلف أمام تحقيق الذات. هذه المرأة تبتسم وتعرف ما تصبو إليه، ربَّما أكثر ممّا أعرفه أو ما أصبو إليه بكثير.

سحبني سمير من تفكيري قائلًا:

ـ هل تعرفين يا أمي؟

ـ ما الذي تريد قوله؟

ـ إنه لا يحبّنا.

تساءلت ببساطة:

ـ من لا يحبنا؟

ـ أبي.

نظرت إلى تقاطيع وجهه، فقلت بجدّية أكثر:

ـ يا إلهي.. ماذا تقول يا سمير.. سنتحدّث في هذا حين أتفرّغ لك. اذهب الآن وانتظر مجيء أبيك.

ـ لن أذهب ولن أنتظر.

ـ عليك أن تكون مهذّبًا. إنه أبوك الذي يشقى ويتعب لأجلك:

ـ إنه لا يشقى ولا يتعب. عرفت هذا حين زرته في الشركة.

ـ عيب يا سمير؟

ـ ليس عيبًا. إنه يأمر الجميع وهو جالس. كما يفعل هنا.

ـ أنت لا تفهم شيئًا.

تراجع قليلًا وهو يمدّ كفّيه نحوي. بدا ثائرًا بعض الشيء والغصّة في حلقه قائلًا:

ـ إنه لا يتحادث معي أبدًا. كلّما قلت له شيئًا يقول اذهب الآن. دائمًا مشغول. دائمًا تعبان.

نبّهني سمير إلى ما غفلت عنه، فزوجي لا يحادثني أيضًا، ففي العمل مشغول، وفي البيت مرهق، وعليّ احترام طلباته وتأمين أسباب الراحة له. فأنا وسمير هامشيان في حياته. عرفت تلك اللحظة أنني مسخّرة بكاملي لأشيائه، أو أنني طوع أوامره، وأيقنت أن سميرًا بحاجة إلى حضن أبيه، ليغرف منه الحب والحنان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت